نشاطات النقابة
العودة
2007-05-17
معاً من اجل هدنة 100 يوم

شاءت الهيئات الاقتصادية اللبنانية مشكورة وعلى رأسها معالي الوزير الاخ الاعز الاستاذ عدنان قصار اقامة هذا اللقاء الوطني الحاشد تحت شعار "معاً من اجل هدنة الـ100 يوم" تأكيدا لتضامن اللبنانيين جميعا في الوقوف صفا واحدا في وجه المخاطر العظمى التي باتت تهددهم جميعا ومن غير تمييز ولا استثناء، في مصيرهم الواحد ومستقبلهم الواحد ومصير لبنان بالتالي كدولة وكيان. وحين تلقيت الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا اللقاء لم اتردد لحظة في تلبيتها لعلمي علم اليقين بما للصحافة المكتوبة على وجه الخصوص ولما للاعلام المرئي والمسموع على وجه العموم من دور اساسي في الحفاظ على لبنان قلعة للحقيقة وقلعة للحرية وقلعة للعروبة في مفهومها الحضاري الصحيح على نحو ما ادركها العباقرة من رجال لبنان وتجندوا لها وعلّموها حتى للعرب في جميع اصقاع العرب.

واي شيء يمكن ان يكون لبنان ايها السيدات والسادة ان لم يكن لبنان الحقيقة ولبنان الحرية ولبنان هذه العروبة؟

الحقيقة التي لا تتجزأ ولا تتعرف في تجردها وسموها في المطلق الى اي عامل يمكن ان يشوهها فيقزمها شر تقزيم وهي التي تأبى الا ان تتعملق. الحقيقة التي تسمو على الاغراض العابرة او الانية، كما تترفع على الاحقاد وحزازات الصدور وعن كل ما يجنح بها عن وجهها الارحب من قيود مذهبية او سلاسل اقليمية او ظروف الزمان والمكان. الحقيقة التي لا انفصال لها عن معنى لبنان ولا مفر منها للمجتمع في لبنان بكل ما تفترضه من صدق في القول وصدق في الرؤية وصدق في التعامل. فما بني على الخطأ باطل، وما بني على الزّيْـف باطل، وما بني على الخداع باطل، وما بني على الكذب او التكاذب باطل. وقد اثبتت محننا المتوالية الدامية كما اثبتت محنتنا الراهنة ان الآفة الاصلية للبنان الذي يكاد يشهد انهياره الاخير قد تكون ان بنيانه لم يكن يخلو من شيء من الخطأ، ومن شيء من الزيف ومن كثير من الخداع والكذب والتكاذب.

والحقيقة، هل يمكن ان تنفصل عن الحرية؟ "تعرفون الحق والحق يحرركم" فمن غير الحق لا يتحرر الانسان، ومن غير الحرية لا يمكن جلاء الحقيقة. ومن غير ظل نعيم الحرية الوارف، حرية الرأي والفكر والعقيدة وحق الانسان في لبنان في ممارسة هذه الحرية من غير اي قيد يمكن ان ينتقص من انسانيته اي انتقاص، اي معنى يبقى للبنان، بل ليسمح لي ان اقول باعلى صوتي: اي مجال او مبرر لوجود لبنان واستمراره ان لم يكن في هذا المشرق كله هو قلعة الحرية وحصن الديموقراطية الحقيقية التي يتاح للانسان معها ان يفكر كما يريد ويؤمن بما يريد ويصارع الفكر الآخر والايمان الآخر بالحجة والبرهان. مثل هذه الحرية المسؤولة هي الكفيلة بان تفسح المجال ليناع بذور تجدد المجتمع تجددا غير منقطع، في طلب للامثل والافضل والاكمل. وهو تجدد ان لم يجر عبر الحوار المنفتح على كل وجهات النظر فان محاولة استحداثه بالعنف والقوة والقهر في مجتمع كمجتمعنا لا بد ان تترتب عليها اوخم العواقب بما هي تهدد وحدة هذا المجتمع في الصميم وتعرض بالتالي الكيان الوطني كله للانهيار.

 

ايها السيدات والسادة

اذا كان قدر الصحافة اللبنانية خاصة والاعلام اللبناني عامة ان يكونا طليعة قوى الحفاظ على لبنان كليَّّ السيادة، كليَّ الاستقلال، بالغَ القوة والعزة، مستوجب الفداء بالروح وبكل ما هو غال عزيز كي لا تقوى عليه حتى ابواب الجحيم ،

واذا كان حال لبنان اليوم هو الحال الذي نعرف جميعا بكل ما ينذر به من سوء العاقبة وظلام المصير،

فان من واجب الصحافة اللبنانية ان ترسل في هذه اللحظة، وفي مناسبة انعقاد هذا اللقاء، وباسم الرأي العام الذي تمثله اكمل تمثيل، نداء مدويا يشفع الدعوة الى هدنة المائة يوم، وعسى ان لا يكون صوتا صارخا في برية. وما اعتادت الصحافة ايها السيدات والسادة الفرار من واجب ان تصدع بالحق فتكون كما قال الامام علي لا سمح الله كالشيطان الاخرس، او تكون اخطر الفارّين الذين تحدث عنهم عبقري العربية الجاحظ اذ قال: "اخطر الفارّين من فرّ بصمته". فالصحافة ما خرجت يوما بالصمت عن لا ونعم شأن صاحبة بشار بن برد، بل لعلها تتساءل ودماء اللبنانيين تكاد تسفك في كل مكان من ارض لبنان، وتجارتهم تكاد تصبح كاسدة، ومرابعهم تكاد تصبح خالية، وشبابهم يتيهون في اصقاع الارض، لعلنا نتساءل: أترانا بتنا اقل تراحما من قبائل ربيعة اخوال البحتري الذي قال عنهم وقلبه ينزف حزنا عليهم:

 

أسَـيْـتُ لاخوالي ربيعـة  اذ عفــت

                               مصايفها منهــا وأقــوت ربــوعهــا

بكُـرهِــيَ أن باتت خلاءً  ديارُهــــا

                               ووحشا مغانيهــا وشتــى جميعهـــا

تقتــل من وتــر اعــز نفوسهـــا

                               عليهـا بـايـــد ما تكــاد تطيعهــــا

اذا احتربت يوما ففاضت دماؤها

                               تذكــرت القربى ففاضـت دموعها

 

اصحيح ايها السيدات والسادة ان اللبنانيين قد قست قلوبهم فهي كالحجارة او اشد قسوة، حتى انهم اذ يتخاصمون حتى لتفيض دماؤهم لا يتذكرون القربى فتفيض منهم الدموع ويرددون مع ابي الطيب المتنبي:

 

ومراد النفوس اصغــر من ان

                               نتعـادى فيـه وان نتفــانــــى

 

كلا ايها السيدات والسادة، انه لظلم لشعب لبنان ان يُـنْـسَب اليه مثل هذا ، وهو التواق ابدا الى السلام وبناء الحياة، المنتفض ابدا ضد الحرب وسيادة الموت.

وكثيرا ما نسمع انها مؤامرة اكبر من اللبنانيين.

كلا ايها السيدات والسادة . لن نسـلم او نرضى بان تكون قوة اقوى من ارادة اللبنانيين الحقيقية الواحدة، ولكنه استمرار محترفي السياسة في الخلاف والخصام والعداوة بينما الشعب كله يئن انينه مما يخضع له قسرا من صنوف التجويع والتهجير والتدمير. ولن يعفي استمرار التآمر واشتداده على لبنان وتدخل المتدخلين ومطامع الطامعين هؤلاء المحترفين للسياسة على اختلافهم من مسؤولية ما يحل باللبنانيين من آلام ، وما يدفعون اليه من يأس وما لا يزالون يرفضون ان يستحكم في نفوسهم ايمانا منهم لا يتزعزع بضرورة استمرار لبنان وبمعنى استمرار وحدة الشعب اللبناني. وانها لمسؤولية امام الله وامام التاريخ وامام لبنان لن يتمكن ان يفرّ منها مسؤول من اولئك يوم يقوم الحساب.

وما لهؤلاء ايها السيدات والسادة ان هم رأوا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وان هم رأوا سبيل الغَـيّ يتخذوه سبيلا. ما لهؤلاء كلما توجه اليهم الشعب بالنداء كأن على قلوبهم اكنَّـة ان يفقهوه وكأن في آذانهم وقرا، وان تدعهم الى الهدى فلن يهتدوا اذن ابداً؟ ما لهؤلاء يُـزَيَّـن لهم سوء عملهم فيضل سعيهم وهم يحسبون او يريدون الناس ان يحسبوا انهم يحسنون صنعاً؟

وعلام الخُـلف وإلام الخُـلف وفيم يكيد بعضهم لبعض ويبدون العداوة ويمعنون في الخصام. لا استقلال حُفظ، ولا سيادة استخلصت، ولا أمن استتب، ولا لقمة عيش يتبلغ بها اللبناني باتت موفورة ، وقبل هذا وذاك لا كرامة لانسان ولا ضمانة لسلامة الابدان.

 

وفي الختام ليسمح لي معالي الوزير الصديق الاعز عدنان القصار ان اقول له: انني اشكرك كل الشكر على ما تلطفت بلفتِ انتباهي اليه من وجوب عدم الانحياز الى اي فريق سياسي في ما يلقى من كلام في هذه المناسبة. وانا على يقين مما قصدتَ اليه في هذا التنبيه. لكن اسمح لي ايضا في ختام كلمتي ان اقول: كلا يا معالي الوزير، فنحن على ثقة من اننا واياك وجميع من تمثل منحازون، بل مصممون على الانحياز ، منحازون ولن نتخلى عن هذا الانحياز في كل آن، منحازون للبنان الواحد، لبنان الحرية ، لبنان الرسالة، لبنان الدور المستمر العامل لخيره ولخير العالم العربي كله، لبنان الدولة الواحدة، دولة الدستور والقانون والمؤسسات ، ودولة الحرية، والديموقراطية الحق، لبناننا جميعا شعبا واحدا لن تنال من وحدته وتطلعه نحو افضل مستقبل كل الاعاصير ولن تقوى عليه ابواب الجحيم مهما استغلقت عليه ابواب الجحيم.

 

لبنان الذي تغنّى به ذات يوم شاعر العربية السوري بدوي الجبل اذ قال:

 

لبنان يا جنــة الفردوس ابــدعـــه

                               على غــرار ذراه الواحـــد الصمد

وزاهدين بحسن انـت غرتــــه

                               لو آمنـــوا بجمال الله ما زهـدوا

حسن اتــــمّ على لبنان نعمتـه

                               محســـد وتمام النعمـة الحسـد

هل جنــة الله عن لبنان مغنيـة

                               استغفــر الله لا كفـر ولا فنـد

 

عشتم وعاش لبنان .

محمد البعلبكي

 نقيب الصحافة اللبنانية