نشاطات النقابة
العودة
1988-07-01
محاضرة لنقيب الصحافة اللبنانية محـمـــــد البعلبكــــــي - الحـــريــة فـي القــــرآن الكــــريــم

·      القيت في المركز الثقافي الاسلامي في بيروت 1/7/1988

·      وفي جامعة بيروت العربية

·      وفي المعهد العالي للدراسات الاسلامية التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت الاثنين 12 آذار 1990

·   في معرض الكتاب العربي الدولي   السابع والاربعين  في بيروت بدعوة من النادي الثقافي العربي

 الثلاثاء 11 تشرين الثاني 2003


بسم الله واياه نستعيـــــــن

 

ايها الاخوات والاخوة.

 

حين تفضلت جامعة بيروت العربية بدعوتي إلى القاء محاضرة فيها، في
مستهل شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، لم اجد،
وانا اشكر الجامعة العزيزة دعوتها الكريمة، خيراً من التحدث في موضوع الحرية
 ومقامها في القرآن الكريم. ذلك لما للحرية ولما للقرآن الكريم معاً من مقام رفيع ومن اثر
 بالغ في حياتنا العامة. ولما اتيح لي من صلة خاصة- مهنيا وثقافياً – بموضوع الحرية
من جهة، وبالقرآن الكريم من جهة ثانية. وقد كانت الحرية ما تزال وستبقى صنو
 صحافة لبنان التي يشرفني ان اشغل فيها موقع النقيب، اذ هي عليها نشأت منذ
 منتصف القرن التاسع عشر، وبنورها اهتدت وتهتدى ، ومن اجلها ناضلت وتناضل،
وفي سبيلها لم تبخل ولن تبخل باغلى القرّابين.

 

اما القرآن الكريم فلم تنقطع لي به صلة بحمد الله رغم مشاغل المهنة، منذ
ان كان لي حظ حفظ اجزاء منه ودراسته مع فروع الدراسة الدينية الاسلامية في
 "الكلية الشرعية" التي انشأها سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الاسبق المغفور
 له الشيخ محمد توفيق خالد في الثلاثينات ثم التوفر بعد ذلك على دراسة جوانبه الادبية
 في جامعة بيروت الأميركية. والفضل كل الفضل لتلك الكوكبة من اعلام الدين
 والادب والفكر والتاريخ من شيوخنا ممن كان لي حظ تلقي العلم من افواههم،
وفي مقدمتهم  سماحته واصحاب الفضيلة قاضي بيروت الراحل الشيخ مصطفى
 الغلاييني، والشيخ احمد عمر المحمصاني والشيخ راشد عليوان والشيخ عبد الرحمن
 سلام والشيخ المحدث محمد العربي العزوزي والشيخ توفيق البابا والشيح حسن
 مكي والشيخ رائف فاخوري واساتذتنا عمر فروخ وزكي النقاش وعبد الله المشنوق ومنير غندور وقسطنطين زريق وانيس الخوري المقدسي وجبرائيل جبور وسواهم رحمات الله
على من لحق منهم بالرفيق الاعلى واطال اعمار من لا يزال منهم على قيد الحياة
 وزاد انتفاع الناس بعلمهم اجمعين.

ان حال الحرية المعروف في عالمنا العربي خاصة وعالمنا الاسلامي عامة يفسح في المجال بلا ريب لالتباس كبير نفذ منه ولا يزال ينفذ الكثيرون- وخصوصاً في الغرب المسيحي- الى اعتبار العلة الاساسية في موقف الاسلام ذاته- كدين- من الحرية، انطلاقاً من جهل حقيقي او من تجاهل مقصود لحقيقة هذا الموقف، مآ لهما مقولة ظالمة مروج لها لدى عامة الناس لا سيما لدى الاجانب هي ان "دين محمد دين السيف"، وانطلاقاً من ان صورة المسلمين اليوم هي حقيقة الاسلام، وذلك على الرغم من ان جمال الدين الافغاني اطلق منذ اكثر من مائة عام قولته الشهيرة مقرراً ان "الاسلام محجوب بالمسلمين"، او انطلاقاً من ان الدين كدين – سواء كان الاسلام او غير الاسلام- هو "افيون الشعوب" المعطل لارادتها، فهو اذن الوسيلة  لسلب الشعوب حريتها واخضاعها لمختلف الوان الظلم والطغيان. مع ان هذا القول لو صح- لانسحب بالتأكيد على العقيدة نفسها التي جاء بها صاحبه واصبحت لدى اتباعها ديناً او ما يشبه الدين، وشهدنا مؤخراً ثورة عدد من الشعوب عليها طلباً للحرية.

 

كلا ايها الاخوات والاخوة.

 

انما العلة الحقيقية هي في التخلف العقلي الذي اصيب به العالم الاسلامي وجعل المسلمين في واد والاسلام في واد، وخصوصاً في شؤون الحياة الاساسية والقيم الانسانية الكبرى وفي طليعتها الحرّية. وما كانت الاديان يوماً عقبة تحول دون الخروج من التخلف وهي التي ما كانت في الاصل الا دعوات تقدم. فلقد عرف الغرب المسيحي نفسه قبل نهضته مراحل اشد تخلفاً من تخلف العالم الاسلامي اليوم، وكان الدين فيه وسيلة استغلها رجال الدين كما استغلها الحكام بواسطة هؤلاء لفرض سلطانهم وبسط طغيانهم على الناس. ومع ذلك لم يقل احد ان الاستبداد طبع اصيل في العالم المسحي، ولا سمح احد لنفسه ان يزعم ان التخلف العقلي صنو المسيحية. ففي ذلك اتهام للدين كدين واتهام للمسيحية في هذا المجال بما ليس فيهما. فما حالت المسحية دون انطلاق ابن الغرب من الظلمات الى النور، وما حال تطاول القرون على ترديه في غياهب الجهل والتخلف دون ان يجد لنفسه اخيراً سبيل تحرير الانسان، هذا التحرير الذي جعله السيد المسيح غاية المعرفة حين قال:"تعرفون الحق والحق يحرركم".

فكيف ايها الاخوة والاخوات اذا كانت دعوة القرآن الكريم ذاته انما هي في جوهرها الدعوة الى الحرية، بارقى مفاهيم الحرية التي يمكن ان يدركها الانسان، على نحو ما سنبين في هذا الحديث. كيف اذا كان في القرآن الكريم ما يمكن حقاً ان يُـباهَى به العالم؟

 

ايها الاخوات والاخوة،

 

منذ وجد الانسان على هذه الارض، وجد معه ذاك التوق الازلي السرمدي الى التحرر، فاذا هو يسعى الى التحرر من الخوف، ومن الجهل، ومن العوز ومن المرض، والى التحرر حتى من الزمان والمكان. وكل هذه ليست في الواقع الا قيوداً اذا امعنا فيها النظر امكننا القول بايجاز ان حاصلها ليس الا واحداً هو الاستبداد وتعطيل الحرية، وان صراع الانسان عبر التاريخ لم يكن الا لانتزاع هذه الحرية والخلاص من نير ا لاستبداد الى كرامة الاختيار الحر. وقد كانت له في مراحل هذا الصراع محطات شاركت فيها امم كثيرة، حتى انتهى الى ما يعرف "بالاعلان العالمي لحقوق الانسان" الذي اقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في العاشر من كانون الاول من عام 1948. ونصّ هذا الاعلان في مواده الثالثة والرابعة والخامسة على "ان جميع الناس احرار ولهم حق طبيعي في الحياة، وسلامة اشخاصهم يجب ان تصان من كل اذى ، وبالتالي فان الاسترقاق والاستعباد محظور حظراً كاملاً بما في ذلك الاتجار بالعبيد محلياً ودولياً وكذلك تعذيب الاشخاص". كما نص الاعلان على حرية المسكن والمراسلات وحرية التنقل والتجنس وحرية الزواج وحرية التجمع والحريات الديموقراطية. وما من ريب في ان اهم هذه الحريات هي حرية الفكر والتعبير عن الفكر. وفي هذا المجال ينص الاعلان في مادتيه الثامنة عشرة والتاسعة عشرة على ان "الفكر ليس عنصراً مادياً يمكن حجزه او تقييده، وهو بالتالي حر طبيعياً ، ويجب بالتالي حماية هذه الحرية سواء كانت دينية او اجتماعية او سياسية .  وتضمن الاعلان توضيح هذه الحرية كما يلي:

-       حرية المعتقد في كل ظرف

-        حرية ممارسة الشعائر سراً وعلانية

-       حرية التعبير عن الاراء بكل الوسائل المشروعة

-       حرية انتقال الاراء وتلقيها دون التوقف عند الحواجز الجغرافية او السياسية.

وليس ههنا مجال الاسهاب في تبيان امعان اكبر دول العالم وارقاها في انتهاك حقوق الانسان التي نص عليها الاعلان العالمي، وكل يوم تقوم الشواهد على هذه الانتهاكات التي قد
 تتباين ولكنها كلها تلتقي عند انكار الحرية على الانسان، في التشريع ذاته حيناً، وفي الممارسة معظم الاحيان. ويتجاوز هذا الانكار حد حرية الافراد ليبلغ حد طعن حرية الشعوب باوقح ما يكون
الطعن حين ينكر على هذه الشعوب حق تقرير المصير وتُـسلب مواردها لتُـسلب حقـها في النمو
 والازدهار وتسام اعتى الوان الظلم والعذاب والتنكيل على مرأى من اصحاب شرعة حقوق الانسان ومسمع، بل بتواطؤ منهم معظم الاحيان وتآمر. لكن حسبنا القول ان هذه الشرعة هي آخر ما انتهى اليه الانسان منذ اربعين سنة فقط في باب النص على حقه في الحرية.

 فماذا في القرآن الكريم الذي كان معجزة محمد بن عبد الله قبل نيف والف واربعمائة عام؟

لو اكتفينا من الموضوع بالوجه اللفظي فحسب، لما وجدنا لكلمة الحرية ذاتها ذكراً في القرآن الكريم، ولما احصينا في الكتاب المجيد الفاظا مشتقة من الجذر الذي اشتقت منه هذه الكلمة الا ثلاثة هي: "الحر" و "محَّـرراً" و "تحرير".

وقد وردت الاولى مرتين بمعنى غير الرقيق، في آية واحدة هي الآية178 من سورة البقرة :" يا ايها الذين آمنواكتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى..." اما الثانية "محرراً" فوردت في قوله تعالى : "اذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محّـرراً" بمعنى المتفرغ الخالص من اي علاقة اخرى. (الآية35 من سورة آل عمران). اما الثالثة فلم ترد الا بمعنى اعتاق الرقيق، مقترنة بكلمة رقبة – "تحرير رقبة". وردت ثلاث مرات في الآية 92 من سورة النساء، ومرة في الآية 89 من سورة المائدة، ومرة في الآية 3 من سورة المجادلة .

ونتوقف هنا لحظة لنقول ان التشريع القرآني وان لم يبلغ حد الغاء الرق قانوناً بالصورة الكلية لاسباب اقتصادية واجتماعية تتصل باوضاع البيئة آنذاك ولا مجال لتفصيلها الان فان روح التشريع هي دفع المجتمع الى التخلص من هذه الآفة.  والعبرة آخر المطاف لما عليه النفوس لا لما عليه النصوص. ومن هذا الباب حّـض القرآن على تحرير الرقاب، او فكها، وجعل ذلك كفارة مقبولة عن معاص كثيرة ترتكب، كما حض على مساعدة الذين يريدون التحرر من الرق حتى بالمال ان هم ارادوا ذلك : "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ايمانهم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم"([1]).

ثم ها هي بعد ارقى الامم اليوم تتباهى بالغاء الرق والتمييز العنصري في النصوص القانونية وهي ما تزال في الممارسة الفعلية اقرب في الواقع الى جاهلية العرب ما قبل القرآن. واذا ذكرنا ان الرق لم يقترن في تاريخ البشرية مقدار ما اقترن باختلاف اللون وباختلاف العرق،
 وقارنا بين هذا وبين تقرير الاسلام بهدي من القرآن مساواة الناس جميعاً دون اي تمييز بين لون ولون وعنصر وعنصر، وقارنا كذلك بين الممارسات الفعلية لدى المسلمين في عصر القرآن وممارسات بعض الشعوب اليوم، ادركنا مدى تقدم التعليم القرآني في هذا الباب. فهذا بلال الاسود الذي اعتقه الرسول يدعوه الرسول للاذان في بيت الله يوم دانت قريش كلها للاسلام اثر فتح مكة. وهذا الرسول يسمع مرة ابا الدرداء ينابذ عبداً ويقول له : " يا ابن السوداء" ، فيغضب صلوات الله وسلامه عليه حتى تنتفض عروق وجهه ويقول له : "ويحك يا ابا الدرداء، أردّة الى الجاهلية؟ ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل" . واتوني ان استطعتم اليوم في عصر حقوق الانسان بموقف كموقف عبد الرحمن بن عوف الصحابي الجليل احد العشرة المبشرين بالجنة اذ التقى في مجلس الرسول عبداً من عامة الناس، وكان يخاصم عبد الرحمن في شيء، فغضب عبد الرحمن وسّب العبد قائلا: "يا ابن السوداء" . فردعه الرسول وقال له : "ليس لا بن بيضاء على ابن سوداء سلطان الا بالحق". والى هنا والحادثة تشبه حادثة ابي الدرداء، ولكن ما ترى فعل عبد الرحمن بن عوف حين قال له الرسول ذلك؟ لقد استبد به الندم والخجل، فما كان منه الا ان وضع خده على التراب واهاب بالعبد ان يطأ وجهه ويدوس على رأسه تعويضاً لكرامة العبد الذي جعل يتوسل اليه كي ينهض، فما نهض الا بأمر الرسول صلوات الله عليه ورضوانه على صحابته اجمعين.

ولا يطمح هذا الحديث الى عرض موقف القرأن الكيم من مختلف الوان الحريات، فمن شأن ذلك ان تستغرق دراسته اعماراً ولا تستوعبه اضخم المجلدات. حسبنا ان ندير حديثنا حول الوجه الاهم من وجوه هذه الحريات، اعني حرية الفكر والمعتقد، وحرية التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل المشروعة وحرية انتقال الاراء وتلقيها دون التوقف عند الحواجز الجغرافية والسياسية وهي التي نصت عليها المادتان الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

ان التباساً كبيراً ينشأ بلا ريب في فهم موقف القرأن العظيم من هذه الحريات، من جراء مقاربة الموضوع من غير اعتماد الترتيب الزمني للآيات الكريمة، اي حسب تاريخ نزولها خصوصا وان معظم الآيات التي تشرع قتال الآخرين في سبيل نصرة الدين واردة في سورة تأتي في مقدمة المصحف الشريف، بينما هي في الواقع سور نزلت في الثلث الاخير من العهد المدني للدعوة، واهمها في موضوعنا سورة "التوبة" التي هي السورة قبل الاخيرة حسب تاريخ نزولها، اي السورة رقم 113بينما هي في المصحف الشريف السورة رقم 9. وهذا الالتباس الكبير يفسح في المجال لتشويش كبير عند غير الدارسين من المسلمين انفسهم، كما يفسح في المجال الى جانب التشويش لسوء القصد وللافتراء والتجني عند بعض هؤلاء وعند بعض غير المسلمين من الدارسين
 وغير الدارسين على السواء، ترويجاً  للقول ان القرآن لا يعترف بحرية المعتقد للناس اجمعين،


وان الاسلام بالتالي هو دين السيف لا دين حق الانسان المطلق في الاختيار. فلا بد اذن للفهم العلمي الدقيق من وجوب النظر في آيات القرآن الكريم في ضوء تسلسلها التاريخي، وفي ضوء اسباب النزول ايضاً، وان كانت العبرة كما يقول علماء الاصول بعموم النص لا بخصوص السبب. وحين يعتمد هذا المنهج لا بد من ان تبرز امام الدارسين وبشكل صارخ لا مجال فيه للبس الحق بالباطل، حقائق عظمى اهمها اثنتا عشرة حقيقة ترتبط احداها بالاخرى لتشكل كلا لا يتجزأ وموقفاً فلسفياً محكم التكامل من الحرية. وهذه الحقائق هي الآتية:

 

الحقيقة الاولى :

هي ان القرآن ما هو الا تذكرة، وان كلا من الرسل جميعاً، وآخرهم محمد بن عبد الله،
 ما هو الا مذكِّـر، مهمته محض التذكير، والنصح ، والانذار ، والتبشير، والبلاغ ،
والشهادة. وتترادف في هذا المعنى وتتوالى الآيات منذ بداية الدعوة، في قوله تعالى في سورة "المزَّمِّـل" ، وهي السورة الرابعة حسب تسلسل النزول "ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلاً (
[2]وبعدها على الفور في سورة "المدَّثِّـر" : "كلا انها تذكرة فمن شاء ذكره"([3]) ....
 حتى اواخر العهد المدني اذ تتكرر بالنص آية سورة "المزَّمِّـل" في سورة "الانسان"(
[4])
وهي السورة التسعون حسب تسلسل النزول، ثم من بعدها في قوله تعالى في سورة المائدة، العاشرة بعد المائة: "واطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين".(
[5])


 وفي سورة "الاعراف" التاسعة والثلاثين حسب تسلسل النزول ، آيات متتاليات تقرر ان عمل الرسل ليس سوى البلاغ والنصح، فنوح يخاطب قومه بقوله :"ابلغكم رسالات ربي وانصح لكم" .... وهود يخاطب عادا بقوله :"ابلِّـغكم رسالات ربي وانا لكم ناصح أمين"... وصالح يخاطب ثمود بعد ان اخذتهم الرجفة اذ عتوا عن امر ربهم :"يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين"... وشعيب يخاطب مدين بعد ان اخذتهم الرجفة ايضا بقوله : "يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على القوم الكافرين" ([6])

اما محمد عليه الصلاة والسلام فهو مذكِّـر:"فذكِّـر ان نفعت الذكرى، سيذَّكَّـر من يخشى ويتجنبها الاشقى"([7]"فذكِّـر انما انت مذكِّـر ، لستَ عليهم بمسَيْـطِر"([8])  "نحن اعلم بما يقولون وما انت عليهم بجبار، فذكِّـر بالقرآن من يخاف وعيدِ "([9])   "فتول عنهم فما انت بملوم، وذكِّـر فان الذكرى تنفع المؤمنين"([10])

وهو مبشِّـر ومنذر :"... وما انت بمُـسمعٍ مَـنْ في القبور، ان أنت الا نذير"([11]) ..... "وبالحق انزلناه وبالحق نَـزَل وما ارسلناك الا مبشـراً ونـذيراً"([12]) .


وهو منذ البداية في سورة "المزَّمِّـل" ، الرابعة حسب تاريخ النزول، شاهد :"انا ارسلنا اليكم رسولا شاهداً عليكم"([13]) .... وحتى النهاية في سورة "الفتح" وهي من اواخر ما نزل من القرآن :"انا ارسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً.... ([14])

ومما يستوقف بالفعل ان معظم هذه الآيات وردت بصيغتي الحصر والتوكيد،
كما هو واضح واستمر ورود هاتين الصيغتين حتى في اواخر السور المدنية. ففي آل عمران وهي الرابعة والتسعون حسب تاريخ النزول:" فان اسلموا فقد اهتدوا، وان تَـوَلَّـوا فانما عليك البلاغ"(
[15])
وقد سبق ذكر آية سورة المائدة وهي العاشرة بعد المائة :"فان تولّيْـتم فانما على رسولنا
البلاغ المبين"(
[16]) كما ان هاتين الصيغتين تنسحبان على الكلام على جميع المرسلين لا على
 خاتم المرسلين وحده ففي سورة الكهف "وما نرسل المرسلين الا مبشرين ومنذرين"(
[17])
وما ذلك - كما في سورة "النساء" المدنية- الا "لئلا يكون للناس على الله حجة"(
[18]).


الحقيقة الثانية:

هي التقرير القاطع لمبدأ حرية المعتقد وحق الاختيار، وحق الصراع الفكري الارحب. فما دام الرسول ليس الا مذكراً ونذيراً وشاهداً، فمن حق الناس اذن بعد ذلك اختيار ما يرون، على ان يكون الاعتراف بهذه الحرية وهذا الحق متبادلاً بين جميع الاطراف، فلا يعطِّـل سيرَ الصراع اكراه مادي او معنوي او لجوء الى اي ضرب من ضروب العنف. وتتسع هذه الحرية حتى للففكر الذي يتناول اسمى الحقائق ولو كانت ذات الله سبحانه وجوداً او وحدانية. وذلك يقينا بان ما هو اصوب هو الاقوى ولا بد له من ان ينتصر في العقل البشري فلا حاجة الى القوة المادية او القسراو الاكراه لتحقيق مثل هذا الانتصار. اما ما هو خطأ فهو الاوهن ولا بد له من ان ينهزم في العقل البشري، ولذلك فهو الاقرب عادة الى اعتماد القوة المادية او اللجوء الى القسر او الاكراه لفرض نفسه.

 

وتعود حرية الاختيار ، حتى في معصية الخالق جل جلاله، الى لحظة الخلق الاولى للبشر وابيهم آدم. فأي تعليم آلهي للناس هو هذا الذي يضرب المثل في افساح الخالق في مجال الاختيار الحر لمخلوقاته الملائكة في ان يسجدوا او لا يسجدوا لآدم بعد ان امرهم بالسجود واقام لهم البرهان على انه قد علَّـم آدم ما لم يعلِّـمهم وكرمه عليهم جميعاً. ولكن ذلك لم يمنع احد مخلوقاته ابليس وكان من الجن من ان يختار التمرد والعصيان لعدم اقتناعه بان آدم خير منه، فلم ينكر عليه خالقه هذا الحق، بل انظره جل جلاله الى يوم يبعثون، مكتفياً بتوعده ومن اتبعه من الناس بسوء المصير. وكذلك كان شأن آدم، وكأن الله سبحانه لم يخصَّـه بتعليمه الاسماءَ كلها، وهي مفاتيح كل معرفة- اذ كيف يمكن ان تكون او تتركزمعارف من غير تمييز الاشياء باسمائها – كأن الله سبحانه لم يخص آدم بهذا الا تدليلاً على انه قد منحه ما لم يمنح سواه من مخلوقاته غير المدركة من قوة خاصة قادرة على الادراك وعلى التمييز بالتالي بين الصواب والخطأ وبين الحق والباطل. فلما لم يستطع كبح جماح نفسه اذ اغواه الشيطان طلبا لمعرفة كنه الشجرة المحرمة فاختار عصيان امر ربه واكل منها وزوجُـه اهبطهما الله الى الارض لكي يمارسا وذرياتهما حقهم في الحرية ولِيُشبعا وذرياتهما ذاك التوق الازلي الى المعرفة، فيكون البشر على الدوام والى يوم يبعثون امام الاختبار السرمدي العظيم، اختبار ممارسة الاختيار الحر وتحمل مسؤولية هذا الاختيار بالتالي. ([19]) 


ومن بعد آدم استمر الاعتراف بحق الاختيار الحر منذ ايام نوح . فها هو يقول لقومه "ارأيتم ان كنت على بينّـة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعُـمِّـيَتْ عليكم انُـلْـزمُـكُـموها وانتم لها كارهون" ([20])  وكذلك ابراهيم من بعده لم يفعل الا انه استغفر لابيه ثم تبـرّأ منه لما اصر على رفض الايمان بالله الواحد : "قال سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفياً"([21])  "وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن مَـوْعِـدَةٍ وعدها اياه فلما تبيّـن له انه عدو لله تبرأ منه ، ان ابراهيم لاوّاه حليم"([22]).

ومع خاتم المرسلين يستمر الموقف دون اي تبديل، وبكل وضوح ، منذ بدء الدعوة حتى اواخر السور المدنية. فمنذ البداية كان القول الآلهي في سورة "الكافرون" وهي من اوائل السور المكية ورقمها 18 حسب تسلسل النزول، وذلك بعد ان اكدت قبلها " المزَّمِّـل " و"المدثر" ان القرآن ما هو الا تذكرة فمن شاء ذكره :"قل يا ايها الكافرون، لا اعبد ما تعبدون ، ولا انتم عابدون ما اعبد، ولا انا عابد ما عبدتم، ولا انتم عابدون ما اعبد، لكم دينكم ولي دينِ". ثم تتوالى الآيات المكية ففي "يونس" : "ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً، أفأنت تكّـره الناس حتى يكونوا مؤمنين"([23]) وفي "الزمر" : "قل الله اعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه"([24]) وفي "الكهف" : "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"([25]) ويتوََّج هذا المعنى العظيم بآية البقرة المدنية التي هي بلا ريب اوجز النصوص وأبلغها في الدلالة بل اخلدها على مّـر الزمان: "لا اكراه في الدين، قد تبيَّن الرشد من الغَـي"([26]) فعلىالرغم  من ان القرآن يعلن انه قد انجز مهمته في تبيين الصواب والخطأ حتى تجلَّـى للناس طريق الرشد وطريق الغَـيّ فأن الاكراه على سلوك اي من الطريقين ممنوع . وانظر الى عمق معنى الحرفين "لا" و"في" في هذه الكلمات الاربع: "لا اكراه في الدين" . فـ "لا" بحكم كونها نافية للجنس تفيد معنى التحريم الكلي القطعي لأي لون من الوان الاكراه. وتحريم الاكراه في الدين لا يقصد به هنا ان الدين يمنع وجوه الاكراه والقمع على اطلاقها فحسب، وانما يقصد به من هذه الوجوه خاصة الاكراه على الدين بدليل تتمة


الآية "قد تبين الرشد من الغْـي" ، والمفسرون يذهبون الى ان حرف "في" هنا هو بمعنى "على" كمثل قول فرعون للسحرة "لأصلِّـبَـنَّـكم في جذوع النخل" اي على جذوع النخل.

وقد لا يذكر اكثر الناس سب نزول هذه الآية الخالدة. والتأمل في هذا السبب من شأنه ان يضعنا في جو الحرية ومستواها الارقى الذي يقرره القرآن. انها نزلت في رجل من الانصار كان له ابنان نصرانيان وكان هو قد اسلم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "الا استكرهما على الاسلام فانهما يأبيان الا النصرانية" فانزل الله الآية. وفي رواية اخرى ان المرأة في المدينة كانت في الجاهلية تجعل على نفسها ان عاش لها ولد ان تهوّده، فلما أجْـلِـيتْ بنو نضير كان فيهم من ابناء الانصار فقالوا لا ندع ابناءنا فانزل الله:"لا اكراه في الدين".

 

الحقيقة الثالثة:

هي ان الاختلاف في الرأي وفي العقيدة هو طبيعة البشر التي لا تبديل لها، بل ان الله خلقهم لكي يتباين منهم الرأي وتختلف منهم العقائد. فقد ورد عدة مرات في القرآن تأكيد ان ارادة الخالق هي ان لا يكون الناس امة واحدة. فقبل ان يوجه سبحانه خطابه الى الرسول قائلا له في سورة "يونس": "أفأنت تُـكْره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (الآية 99) يذكّـره بقوله: "ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً" ([27]). واسمعوا قوله سبحانه في سورة "هود": "ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة، ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم" ([28]) . ويتأكد هذا المعنى في سورتي الحج والمائدة المدنيتين: "لكل امة جعلنا منسكاً هم ناسكوه فلا ينازعُـنَّـك في الامر وادعُ الى ربك انك لعلى هدى مستقيم"([29]) ، "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ماآتاكم فاستبقوا الخيرات"([30]) .


واذا كان الامر كذلك فان احداً من البشر غير مخوِّلٍ محاسبةَ الآخرين على عقائدهم، حتى لو كانوا مجوساً او مشركين. ان الله وحده هو الذي يحكم بين الناس يوم الحساب، ويفصل بينهم في ما كانوا فيه يختلفون، طبعاً مع الانذار بالعقاب الالهي الشديد لمن اختار الضلالة. وانها لدرجة عليا في النص على عدم الصلاحية- كما يقول رجال القانون- في مجال العقاب البشري لاختلاف العقيدة او الرأي او الفكر. ولذلك دعي يوم القيامة يوم الفصل في آيات كثيرة مكية ومدنية. واصرح آية في هذا المعنى قوله تعالى في سورة "الحج"- واعود فاقول انها سورة مدنية نزلت قبل فتح مكة – اي في المرحلة الاخيرة من الدعوة- : "ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم ان الله على كل شيء شهيد"([31]) وفي سورة "الانعام": "إنِ الحكمُ الا لله، يقُـصُّ الحق وهو خير الفاصلين"([32]) . بل ان الناس ممنوعون وان آمنوا وعملوا الصالحات، من ان يُـزَكُّـوا انفسهم استعلاءً على الاخرين: "ولله ما في السموات وما في الارض ليجزي الذين اساؤوا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى . الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم، ان ربك واسع المغفرة، هو اعلم بكم اذ انشأكم من الارض واذ انتم أجِـنَّـةُ في بطون امهاتكم فلا تزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقى"([33]) .


الحقيقة الرابعة:

هي ان حق الاختيار الحر مقترن اقتراناً لا انفصام له بالمسؤولية الشخصية التي تقع على صاحب هذا الاختيار دون سواه وخصوصاً بعد ان خّـص الله الانسان ودون سائرالمخلوقات بالقدرة على التمييز وبعد ان بيّـن له سبل الخير والشرّ وترك له الخيار. ونحن اذ نتكلم على الحرية وطرق ممارستها الفضلى في هذه الايام نتمسك بمبدأ دعوناه الرقابة الذاتية رفضاً لكل رقابة قمعية اخرى. ولعل اول اشارة الى الرقابة الذاتية في التاريخ بل اول تقرير لها انما جاء في قوله تعالى: "بل الانسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيرَه"([34]) .

 

صحيح ان هناك ايضا الرقابة الالهية التي تتحدث عنها سورة ق: "ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد، اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد"([35]). ولكنها رقابة غير قمعية لا تلغي حرية الاختيار لدى الانسان، ولا هي تلغي رقابة الضمير، وانما هي لاجراء الحساب يوم الحساب: "ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، وجاءت كل نفسٍ معها سائق وشهيد، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".([36])


وما ورد معنى حق الاختيار الحر الا واتبع على الفور بمعنى المسؤولية. فاذ يخيّـر الله الناس بين الايمان والكفر يحذرهم من سوء العاقبة ان هم اساؤوا الاختيار. ففي سورة الزمر: "ان تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر، وان تؤمنوا يرضه لكم، ولا تزر وازرة وزر اخرى ثم الى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعلمون، انه عليم بذات الصدور"([37]). وفي الكهف: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، انا اعتدنا للظالمين ناراً احاط بهم سُـرادِقُـها وإن يستغيثوا يُـغاثوا بماء كالمُـهْـل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقاً"([38]) . وفي سورة الزخرف: "وانه لذكر لك ولقومك وسوف تُـسألون"([39]) وفي سورة الصافات: "احشروا الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم الى صراط الجحيم، وقفوهم انهم مسؤولون ، مالكم لا تناصرون، بل هم اليوم مستسلمون"([40]) وفي سورة النور: "قل اطيعوا الله واطيعوا الرسول فان تولوا (اي تتولوا) فانما عليه ما حُـمّـل وعليكم ما حُـمِّـلْتُـم..."([41]) وفي سورة هود: "قل ان افتريته فعليَّ اجرامي وانا بريء مما تجرمون"([42]) .

 

حتى ان الشيطان نفسه يتبرأ من الانسان يوم الحساب: "وقال الشيطان لما قُـضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا انفسكم، ما انا بمُـصِـرِخِكم (اي بمنقذكم) وما انتم بمصرخيَّ"([43]).


وفي تحمل المسؤولية  لا شفاعة حتى شفاعة الآباء. فما اغنى استرحام نوح لابنه عنه شيئاً([44]) . ويوم الحساب "لا يَـجْزي والدٌ عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً"([45]) "كل امرئٍ بما كسب رهين"([46]) و"كلُّ نفس بما كسبت رهينة"([47]) .

 

الحقيقة الخامسة:

هي رفض التقليد الاعمى في الرأ ي من غير اعتماد العقل، ولو كان التقليد يستند الى تراث الآباء والاجداد. وفي هذا المبدأ ارفع درجة من درجات الدعوة الى حرية الفكر وتحرير الانسان من اغلال المواقف السابقة التي يرسف في قيودها الانسان وتعمي البصيرة والبصر بغلالة من قدسية الماضي عن رؤية الحق والنور. والتقليد هو كما قال اوسكار وايلد: "تحية العوام لأصحاب العبقرية". ولقد جاء القرآن يدعو الانسان في كل عصر الى الارتفاع الى مرتبة العباقرة.

 

وفي السور الملكية تسفية لاتِّـباع الآباء اتّـباعاً اعمى: "واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، اولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير"([48]) ومثلها في سورة الزخرف([49]) وسورة المؤمنون([50]) وسورة الشعراء([51]) وتتوالى الآيات في هذا المعنى حتى اواخر السور المدنية، ففي سورة المائدة وهي السورة العاشرة بعد المائة قوله تعالى: "واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. أوَلَـوْ كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون"([52]) .


وعلى  سمو مقام الوالدين في القرآن الكريم، فان دعوتهما اولادهما الى غير الحق يجب ان تكون مرفوضة منهم، لان التقليد الاعمى مرفوض: "ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وَهْـناً على وَهْنٍ وفصالُـه في عامين أن اشكُـرْ  لي ولوالديك اليّ المصير. وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتَّـبع سبيل من اناب اليّ،
ثم اليَّ مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون"(
[53]). ولذلك لا تدخل ذرية المؤمن الجنة اذا هي اتَّـبعته الا اذا كان اتِّباعها بايمان منها لا بمجرد التقليد: "والذين آمنوا واتَّـبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم وما ألَـتْـناهم (اي انقصناهم) من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين"([54]) ولعل في ذلك اعظم استنفار للعقل البشري من اجل البحث عن الحقيقة وممارسة حق الاختيار الحر والاقتناع الوجداني العميق.

 

الحقيقة السادسة:

هي ان الحرية لا تتجزأ، فهي لجميع الخلق على السواء، دون تمييز او تفريق. ليست هي ارستوقراطية ولا هي غير ارستوقراطية. ليست حكراً للاغنياء ولا لذوي السلطان ولا لفئة دون فئة. لا طبقية ولا تصنيف بين الناس في الحرية، بل مساواة كاملة في هذا الحق الاساسي من حقوق الانسان. ولا ينتقص من هذا الحق ان يكون ممارسوه من المستضعفين او من "الارذلين"، اي من الطبقات الدنيا في المجتمع، من غير الارستوقراطيين المترفين. ولا يحط من قدره ان يمارسه هؤلاء او اولئك. فعندما قال قوم نوح له: "أنؤمن لك واتَّـبعك الارذلون؟" اجابهم: "قال وما علمي بما كانوا يعملون. ان حسابهم الا على ربي لو تشعرون. وما انا بطارد المؤمنين. ان انا الا نذير مبين"([55])  ومثلها في سورةهود: "وما نراك اتَّـبعَـك الا الذين هم أراذلُـنا باديَ الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم ارأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعُــمِّـيَتْ عليكم انُـلزمـكُموها وانتم لها كارهون؟ ويا قوم لا اسألكم عليه مالا، إنْ اجريَ الا على الله، وما انا بطارد الذين آمنوا، انهم ملاقوا ربهم ولكني ارآكم قوماً تجهلون... ولا اقول للذين تزدري اعينكم لن يُـؤتيهَـم الله خيراً ، الله اعلم بما في انفسهم، اني اذا لمن  الظالمين"([56]).                                           

الحقيقة السابعة:

هي ان ممارسة حرية الفكر ليس لها من سبيل الا الحوار العقلي بين الناس. ولقد علّـم الله الخالقُ نفسُـه الناسَ كيف يكون الحوار بينه وبين مخلوقاته ومنذ الازل، على الرغم من انه في غنى عن ذلك، ويكفيه ان يكون له الامر وعليهم الطاعة. وقد سبقت الاشارة الى حواره سبحانه مع الملائكة ومع الشيطان ذاته. وحاور ابراهيم ربه بلوغاً لليقين فقبل منه الحوار وآتاه سُـؤْلَـه:
 "واذ قال ابراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى، قال اولم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. قال فخذ اربعة من الطير فصُـرْهُـنَّ اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعُهنَّ ياتينك سعياً واعلم ان الله عزيز حكيم"(
[57]) وحاور بنو اسرائيل ربهم عبر موسى في امر ذبح البقرة فقبل منهم الحوار([58]). ودعوات الرسل كلها محكومة بالحوار مع اقوامهم. ولا تخرج عن ذلك دعوة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم ) بل لعلها التتويج الامثل لهذا المبدأ الذي لا مفر منه.

 

ولم يشجب القرآن في هذا الباب موقفاً كما شجب موقف رفض الحوار والاصرار علىعدم ممارسته: "ويلٌ لكل أفَّـاك اثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب اليم، واذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزوا، اولئك لهم عذاب مهين"([59]) "وقالوا قلوبنا في اكّـنة مما تدعونا اليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل اننا عاملون"([60]) ."ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا. اولئك لهم عذاب مهين، واذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كان لم يسمعها كان في اذنيه وقرا فبشره بعذاب اليم"([61]).


الحقيقة الثامنة:

هي ان للحوار اصولَه وعدتَـه وآدابَـه. فمن اهم اصول الحوار ان يكون حواراً مفتوحاً لا عقدة فيه ولا شروط مسبقة ولا التزام افكار جامدة لا تقبل المناقشة مهما كان ايمان المرء بهذه الافكار ويقينه بانها هي الصواب دون سواها. وفي ذلك من احترام حق الآخر في الرأي المخالف مرتبةٌ لا تدانيها اعلى مراتب هذا المعنى في تاريخ البشرية. وهذا الحوار المفتوح لا بد من ان يستمر حتى يرث الله الارض ومن عليها.

فها هو القرآن يدعو الى الاقبال على الحوار بهذه الروح بل يشجع على الاقبال على الحوار بالانطلاق من التسليم الجدلي بان الخصم قد يكون هو على حق. فبعد مناقشة طويلة في الادلة على وحدانية الله تأتي الآية في سورة سبأ: "قل من يرزقكم من السموات والارض قل الله، وانَّـا أوْ  إياكم لعلى هدى او في ضلال مبين"([62]). فطرفا الحوار سواء في الهدى والضلال. ثم يضيف على الفور في تنازل كبير بغية حمل الطرف الآخر على القبول بالحوار: "قل لا تسألون عما اجرمنا ولا نسأل عما تعملون"([63]) ، فيجعل اختياره هو بمرتبة الاجرام على الرغم من انه هو الصواب ولا يصف اختيار الخصم بغير مجرد العمل، لكي يقرر في النهاية ان الحكم لله: "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح (اي يحكم) بيننا بالحق وهو الفتاح العليم"([64]).

اما عدة الحوار فهي العقل والمنطق والعلم والحجة والبرهان. فما اكثر ما يرد في القرآن: "قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين"([65]) "ومن يدع من دون الله آلها لا برهان له به فانما حسابه عند ربه"([66]) ولا فائدة من محاورة الجاهل المحاور بغير علم: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير"([67]) ومثلها في سورة الحج([68])  وفي"آل عمران": "ها انتم حاججتم في مالكم به علم فلم تحاجون في ما ليس لكم به علم"([69]).

وكثيراً ما ترد في القرآن كلمة "سلطان" في معرض الحديث على الجدال، واعتبار "السلطان" شرطاً للحوار لا يستقيم بغيره. ويستوقفك الامر لما لهذه الكلمة من معنى شائع هو معنى القوة والتحكم المادي، ثم تأخذك الدهشة الكبرى ويستبد بك الاعجاب العظيم عندما تكتشف جانباً من جوانب عبقرية اللغة العربية في معنى هذه الكلمة اذ تقف في المعاجم على ان معنى "سلطان" في الاصل هو الحجة والبرهان المستمدان من العقل والعلم فـ "الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطانٍ أتاهم إنْ في صدورهم الا  كِـبْـرٌ ما هم ببالغيه"([70]) "ام لكم سلطان مبين"([71])  اي حجة ظاهرة مقبولة و"يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا، لا تنفذون الا بسلطان"([72]) اي بعلم وتكنولوجيا اذا صح التعبير. ولذلك يتقرر في القرآن مبدأ تغليب قوة السلطان على سلطان القوة، اي قوة الحجة على حجة القوة . السلطة والسلطان بمعناهما المادي لا ينبثقان الا من مقدرة العقل المتجلية في تغلب الحجة وتفوق المنطق وانتصار الادراك .

وكذلك اللين والحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي احسن، والكلمة الطيبة هي في القرآن من عدة الحوار السليم. فلموسى قال الله: "اذهب انت واخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري. اذهبا الى فرعون انه طغى . فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى"([73]) وللرسول العظيم قال: "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن"([74]) ."الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون"([75]). وتأديب الله لرسوله الكريم اذ اعرض عن الاعمى وعبس في وجهه وقد جاء ليسأله بعض الاسئلة قبل ايمانه هواروع مثل يضرب في هذا الباب([76]).


وللحوار ايضا آدابه الى جانب اصوله وعدته. وقمة هذه الآداب عدم الضيق بالحوار، ووجوب الصبر على القول المخالف، والاعراض عن اللغو. فما اكثر ما يوصي الله رسوله وخصوصاً في السور المكية اي في بداية الدعوة بقوله: "واصبر على ما يقولون"([77]) "فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفاً"([78]) "ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون"([79]) "وانذر عشيرتك الاقربين. واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فان عصوك فقل اني بريء مما تعملون"([80]) ثم اذا استنفدت كل سبل الحوار "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"([81]) "فتوكل على الله انك على الحق المبين. انك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصُّـمَّ الدعاءَ اذا ولَّوا مدبرين. وما انت بهادي العمي عن ضلالتهم"([82]) . "فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون"([83]).

 

ومهما طال الحوار فخاتمته ان تبين انه حوار طرشان ، لا تكون الا مجرد ترك الموضوع حيث هو والاعراض عن اللغو وعن الجاهلين: "ولقد وَّصلنا لهم القول – اي جعلناه موصولا من غير انقطاع- لعلهم يتذكرون" .... فالذين آمنوا " يُـؤْتَـوْنَ أجـرهم مرتين بما صبروا ويَـدْرَؤُون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون. واذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين"([84]) .


الحقيقة التاسعة:

هي ان ممارسة الاختيار الحر لا يجوز ان تُـعَـلَّـق على شرط الانتفاع المادي او حساب الربح والخسارة او على الخوف من الارهاب. فالخضوع للمادة عبودية تعطل الحرية. وحين يقع الاقتناع برأي لا يجوز ان يَحُـولَ دون اعتناقه حائل او ذريعةٌ من ارتزاق او استضعاف: "وقالوا ان نتَّـبع الهدى معك نُـتَخَـطَّـفْ من ارضنا... "([85]) فهم قد سلَّـموا بان ما يدعوهم اليه الرسول هو الهدى ولكنهم يخشون فقدان امتيازهم في الامن والرزق، مع ان الاسلام كرّس امتياز الحرم الذي يعيشون في كنفه وخيراته: "أوَلَـمْ نمكِّـن لهم حَـرَماً آمنا يُـجْـبى اليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ..." كما في سورة القصص([86]) . وفي سورة العنكبوت : "أوَلَـمْ يروا انا جعلنا حَـرَماً آمنا ويتَـخَطَّـفُ الناس من حولهم"([87]).

 

وكما ان الحرية حق لك، فان من حقها عليك ان تصونها. وصيانتها لسواك واجب كما هي صيانتها لنفسك. واذا انت لم تصن حريتك وحقك في الحرية، حتى لو اقتضى الامر هجرة موطنك نفسه مؤقتاً – على جليل قدر الوطن في حياة الانسان- الى موطن آخر لا تضييق فيه على الحريات فانك ظالم لنفسك ولا عذر لك في انك مستضعف او غير ذي طول: "ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الارض، قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها. فاولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً. الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فاولئك عسى الله ان يعفو عنهم وكان الله عفوا غفوراً"([88]) وابراهيم قال حين ضاق به المقام في بلده: "اني مهاجر الى ربي"([89]) .

اجل ان الحرية قيمة جديرة بان ينجو بها الانسان كي لا يظلم نفسه ان هواستسلم . وقد يغري الانسان ان يظلم سواه، لكن اي انسان يرضى او يسعد بان يظلم نفسه؟


الحقيقة العاشرة:

هي انه لا يجوز اساءة استعمال الحرية فان للحرية حدوداً لا يجوز تخطيها. وقد بين القرآن هذه الحدود وشدد عليها في مواضع متعددة.

فالحرية لا تعني – كما في كثير من الآيات- افتراء الكذب على الله وعلى الناس.

والحرية ليست حرية لبس الحق بالباطل او حرية كتمان الحق، ولا تحريف الكلام عن مواضعه بعد ان يعقله الانسان.

والحرية لا تعني النجوى بالاثم والعدوان([90]).

والحرية لا تعني قول الزور الذي دعا القرآن الى اجتنابه كاجتناب الرجس من الاوثان([91]).

والحرية لا تعني حرية شتم الآخرين: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عَـدْواً بغير علم"([92]).

والحرية لا تعني اساءة الظن بالناس ولا ان يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء([93]).

والحرية لا تعني ترويج الشائعات الكاذبة على مثال حديث الافك([94]) .

والحرية لا تعني الانفعال بنبأ الفاسق قبل التثبت من صحته([95]) .

وانما قول الحق هو شرط الحرية. انه الامانة التي عرضها الله على السماوات والارض والجبال فأبين ان يحملنها وحملها الانسان([96]).

تلك هي امانة القول السديد الذي به تصلح الاعمال وتغفر الذنوب: "يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً . يُـصْـلِـحْ لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم"([97]).


الحقيقة الحادية عشرة:

هي ان حق الحرية للانسان ليس من غير ما ثمن باهظ. وكل اختيار حر لا يمكن ان يثبت لصاحبه من غير اختبار عظيم. انه ما يمكن ان ندعوه باللغة الاجنبية TEST  الحرية. وهو ما يعّـبر عنه القرآن الكريم بالفتنة او البلاء، اي محاولة صرف الانسان او تحويله عن دينه او معتقده او فكره اورايه بالترغيب او الترهيب او الخداع او الممالأة.

 

والفتنة والبلاء نوعان: آلهي وبشري.

 

فاما الاول فهو امتحان للانسان في تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر، والخطأ من الصواب، مع ترك الحرية له في الخيار وفق ما يرتئيه وتحمل مسؤولية الموقف الذي ينتقيه. "ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون"([98]). "انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوكم ايكم احسن عملاً"([99]).

"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو اخباركم"([100]).

اما فتنة البشر فاخطر ما فيها ليست الوسائل اللاديموقراطية او الاساليب غير الشريفة التي تستخدم في صرف الانسان عن معتقده وفكره ، وانما ما تنطوي عليه هذه المحاولة في اعماقها من انكار شديد لحق الانسان في حرية الاختيار. وصمود اصحاب الرأي لمختلف الوان العنف والقمع والاضطهاد، ومنهم من قضى نحبه من شدة التعذيب، انما هو انتصار لا لحريتهم هم فحسب، بل للحرية بوجه عام. والذين لا يتورعون عن اخضاع اصحاب الرأي بهذه الطرق لمثل هذه الفتنة او لمثل هذا الامتحان توعّـدهم الله بالجزاء الاقصى ان هم امعنوا فيها ولم يرتدعوا، كما في قصة اصحاب الاخدود في سورة البروج: "قتل اصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، اذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد... ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق"([101]).

 

والرسول نفسه تعرض للفتنة: "وان كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا اليك لتفتري علينا غيره، واذاً  لا تخذوك خليلا. ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلا"([102]).

فالفتنة هي قدر المؤمن. وما من سلاح له في وجهها الا الصبر والثبات على الايمان والتضحية حتى الاستشهاد تشبثاً بحرية الاختيار: "احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين"([103]). "ومن الناس من يقول آمنا بالله فاذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن انا كنا معكم، أوليس الله باعلم بما في صدور العالمين. وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين"([104]).

ان اصحاب الرأي الحر موعودون دائماً بالفتنة والبلاء: "لتبلون في اموالكم وانفسكم ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيراً. وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور"([105]).


الحقيقة الثانية عشرة:

هي ان حق الحرية على الانسان ان يدافع عنها بكل الوسائل حتى القتال.

على ان القرآن لم يشرع القتال دفاعاً عن الحرية الا في المرحلة الاخيرة من الدعوة، مؤثراً تعليم اتباعه اعتماد كل الوسائل السلمية تجنباً للعنف حتى ولو كان اللجوء الى العنف المادي اضطراراً لغاية الدفاع. وقد كان القتال ممنوعاً على المسلمين حتى انزلت آية الاذن به في سورة "الحج" المدنية. بل ان القرآن كان يحض المسلمين على ان يبروا خصومهم ان هم لم يعتدوا عليهم او يقاتلوهم في دينهم: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين. انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم. ومن يتولهم فاولئك هم الظالمون"([106]). وهاتان الآيتان هما من سورة "الممتحنة" التي هي من اواخر السور المدنية – الحادية عشرة بعد المائة- اي السورة الرابعة قبل الاخيرة مما نزل من سور القرآن الكيم. والحديث فيها انما يدور على مجرد موضوع طبيعة العلاقة مع الذين يسالمون اتباع الرسالة الجديدة او يؤذونهم بمقاتلتهم او باخراجهم من ديارهم او المظاهرة على اخراجهم. وهو تعليم للمسلمين وجهه القرآن اليهم حتى بعد آية الاذن بالقتال في سورة الحج التي هي السورة 88 حسب تسلسل النزول.

وحري بنا ان نتدبر آية الاذن بالقتال هذه نستجلي معاً معانيها العميقة: انها تقول:
"أذن – اي القتال- للذين يقاتلون بانهم ظلموا، وان الله على نصرهم لقدير. الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً...." (
[107]).


فلنلاحظ معاً معنى الاذن في الكلمة الاولى من الآية، مما يفيد قطعاً ان قتال الذين كانوا يقاتلون المسلمين ويظلمونهم باخراجهم من ديارهم بغير حق، كان ممنوعاً قبل ذلك. ولكم كان الامر يقتضي درجة عالية من ضبط النفس. ثم ان الامر بالقتال صدر للذين يقاتلون، باعتبار ان خصومهم ينكرون عليهم بالعنف والقوة حقهم في الاختيار الحر. والقتال بعد شرع لهؤلاء لانهم مظلومون بانكار حق الحرية عليهم. وهذا المعنى ظاهر في وصفهم في تكملة الآية، بانهم اخرجوا من ديارهم بغير حق، لانهم اختاروا الايمان بالله.

ولكم تحمل المسلمون من ضروب الاذى والاضطهاد بسبب ممارستهم حق الاختيار. الم يحاصروا في شعب مكة؟ الم تمنع عنهم المياه وتحظر عليهم الاطعمة وتفرض عليهم المقاطعة الكاملة؟ الم يستشهد منهم من استشهد تعذيباً وقتلاً؟ ولقد جاءت سورة التوبة وهي السورة قبل الاخيرة من سور القرآن تبلغ المشركين في الحج دواعي عدم التعايش مع الشرك ، اذ كيف يحج عبدة الاصنام ومحطمو الاصنام الىبيت واحد؟ كما جاءت تبين اسباب قتال المشركين: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، ان الله يحب المتقين. كيف وان يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم الا ولا ذمة ، يرضونكم بافواههم وتأبى قلوبهم واكثرهم فاسقون... لا يرقبون في مؤمن الا ولا ذمة، واولئك هم المعتدون"([108])... "ألا تقاتلون قوماً نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بداوكم اول مرة . اتخشونهم ، فالله احق ان تخشوه ان كنتم مؤمنين"([109]).

وعلى الرغم من ان في هذا البلاغ براءة من المشركين (ولذلك دعيت سورة التوبة سورة براءة لا ستهلال اولى آياتها بهذه الكلمة) ، فان ا لامر الالهي هوالاستقامة لهم وهم المشركون ما داموا مستقيمين في تعاملهم مع المسلمين. بل ان الامر الالهي ذهب الى ابعد من ذلك، الى إجارة المشرك ان هو استجار بالمسلم، بل واجب المسلم ان يبلغ المشرك مأمنه ان هو استجار به. واين نحن اليوم، في ما نشهد من اعمال خطف الاشخاص واحتجاز حرياتهم من هذا التعليم الالهي العالي: "وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه. ذلك بانهم قوم لا يعلمون"([110]).


ايها السيدات والسادة،

 

يبقى في نهاية هذا الحديث تعليق على قول الله تعالى:  "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امراً ان تكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضّـل ضلالا مبيناً"([111]). فكيف يتفق ذلك مع مبدأ الحرية؟ وما هو تعليل موضوع الطاعة لامر الله وامر الرسول من غير ان يكون تناقض مع الحق في الاختيار الحر؟.

وتفنيد ما قد يبدو في هذا من اشكالٍ واضحٌ في رأينا، وهو يعتمد المنطق الارسطوطاليسي نفسه الذي يجعل المواقف الجزئية او المواقف من الجزئيات منبثقة او تستتبعها المواقف الكليةاو المواقف من الكليات. فحين يؤمن الانسان بالله وبرسالة محمد وبما انزل اليه ايماناً حراً نابعاً من اختيار واع لا ضغط فيه ولا اكراه، يصبح من الطبيعي ان يتقبل كل امر يقضي به الله ورسوله وان يكون هذا التقبل بالتالي طوعياً وان ارتدى طابع الطاعة المطلقة او بدا انه لم يكن لصاحبه فيه خيار في الظاهر. وهذا ما قصد اليه الصدِّيق ابو بكر حين قَـصَّـوا عليه ما رواه لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) من امر الاسراء والمعراج فقال: "لقد صدَّقته في ما هو اعظم. صَّـدقته في الوحي". ومع ذلك فقد كان لبعض الصحابة وخصوصاً لسيدنا عمر بن الخطاب آراء في بعض ما شرّع الله من احكام تمنّـوْا على ربهم – مع كامل طاعتهم له – ان يخفف عنهم فيها، فلم يضنَّ عليهم جّـل جلاله بالرحمة والاستجابة.

ويبقى بعد ذلك، الموضوعُ الفلسفي الكبير، موضوع التسيير والتخيير. فهل الانسان في ما يفكر وفي ما يعمل مسير ام مخير؟ وهو مبحث من اخطر مباحث علم الكلام، ولا يتسع المجال الان للخوض فيه بتفصيل ودقة. حسبنا ان يكون في ما استعرضنا من نصوص الكتاب الكريم ما نرجو ان يرتفع به لواء الحرية في عالمنا الاسلامي بعد طول تنكيس. وهل من نهضة حقيقية لهذا العالم من غير انسان حر حق الحرية، مهتد في شأنها بانوار القرآن العظيم؟

"ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"([112]).

"افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها"([113]).

محمد البعلبكي