نشاطات النقابة
العودة
2004-06-18
الإعلام العربي في مواجهة تحديات المرحلة

ايها السيدات والسادة

موضوع هذه المحاضرة, هو "الإعلام العربي في مواجهة تحديات المرحلة".

ومن غير مقدمات، ولكي نضع معاً الامور في نصابها، فيأتي الحديث كما يقول علماء البلاغة وعلى قدر المستطاع "مطابقاً لمقتضى الحال"، تعالوا في البداية نحاول التفاهم على المصطلحات التي يشتمل عليها هذا العنوان. فما هي تحديات المرحلة اولاً، وما هو بالتالي الإعلام العربي، واين هو هذا الإعلام اليوم في مواجهة هذه التحديات، واين يصح او يمكن او يجب ان يكون هذا الإعلام في مواجهة هذه التحديات.

ينعقد هذا اللقاء ايها السيدات والسادة، في ظروف يخوض فيها العرب والمسلمون في العالم اشرس معركة من اجل البقاء. دماؤهم تبذل بكل سخاء في ميادين الجهاد المقدس في فلسطين، يتحدى المجاهدون من ابنائها كل يوم باجسادهم وارواحهم اعتى قوة عسكرية باغية وما من سلاح لهم في وجهها إلا الايمان بالله والوطن وبحق الوطن عليهم ان يفتدوه باغلى ما يكون، ويضربون في التضحية من اجل ذلك اروع امثلة البطولة في التاريخ. كما ينعقد هذا اللقاء في زمن سقط فيه الجناح الشرقي من الوطن في العراق في قبضة الاحتلال الاجنبي بعد ان تخلص من حكم الاستبداد الداخلي، فهو يسعى جاهداً بالمقاومة المسلحة وبغير المقاومة المسلحة ليتحرر من هذا الاحتلال ويستعيد سيادته المكبلة بالوان القيود، ويحافظ على وحدته من ان تقوضها رياح الشرذمة العرقية والمذهبية وتضارب المصالح الفئوية الضيقة.

وينعقد هذا اللقاء ايضاً في ظروف يكثر فيها الحديث عن "الاصلاح" في العالم العربي، لا سيما في ما يتعلق بالحريات وبالديمقراطية السياسية والاجتماعية من جميع الوجوه. وتتهاوى على هذا العالم "النصائح" البريئة وغير البريئة من هنا وهناك حتى يبلغ الامر حد التحدي، ويتفاوت عند العرب مدى التجاوب مع هذا التحدي، كما يكثر فيه الحديث عن "شرق  اوسط كبير" او "شرق اوسط اوسع" تيْـنع فيه هذه الحريات وهذه الديموقراطية ويجري تصنيف الدول في المنطقة على قدر التزامها موجبات هذا "الاصلاح" . ومن خلال ذلك تشن على العروبة وعلى الاسلام اوقح هجمة عرفها الاسلام وعرفتها العروبة في العصر الحديث.

 

ايها السيدات والسادة

اذ يواجه العرب والمسلمون اليوم كل هذه التحديات، ويضطرم ضمير الشعوب العربية والاسلامية في كل مكان وان تفاوتت قوة التعبير عن هذا الاضطرام فترة بعد فترة ضد ما يرتكب من جرائم لا بحق فلسطين ولا بحق العراق وحد هما  بل بحق العرب اجمعين وبحق الانسانية جمعاء، يتطلع العرب بلا ريب إلى الإعلام العربي والى الدور الرئيسي الذي يتحتم على هذا الإعلام الاضطلاع به بكل وضوح وبكل شجاعة، ومن غير تمييز طبعاً بين اعلام رسمي واعلام خاص، ولا بين اعلام مرئي واعلام مسموع واعلام مكتوب.

فاين اين الاعلام العربي اليوم من الاضطلاع بهذا الدور التاريخي البالغ الاثر في بلورة المستقبل وصيانة المصير القومي؟

لا بد من التساؤل بادئ ذي بدء هل هناك اعلام عربي واحد، في العالم العربي، ام ان في كل بلد عربي اعلاماً يتميز عن اعلام كل بلد آخر؟

وهل هناك اعلام حر في كل بلد عربي، ام ان مستوى حرية الإعلام يتفاوت بين بلد عربي وآخر؟

في الاجابة على السؤال الاول، يمكن القول ان الإعلام العربي ليس اعلاماً واحدا او موحداً بين جميع الدول العربية. وقد يكون لذلك وجه ايجابي من حيث فائدة التعدد، وفائدة التنوع، ولكن وجهه السلبي يطغى على وجهه الايجابي من حيث عدم التناسق بل حتى عدم التوافق في بعض الاحيان لا على اسلوب المعالجة فحسب، بل على لبّ الموضوع وجوهر المشكلة احياناً اخرى.

ولولا مؤسسة صحافية عربية جامعة يطلق عليها اتحاد الصحافيين العرب، تصدر باسمهم بيانات تعلن بواسطتها مواقف من المستجدات على الساحة القومية العربية اولاً باول لصحّ القول ان لا جامع بين مؤسسات الإعلام العربي المكتوب، اما الإعلام العربي المرئي والمسموع فلم يوفق  العرب حتى اليوم إلى انشاء مؤسسة له جامعة ولو على شاكلة اتحاد الصحافيين العرب.

اما من حيث الدور الذي يجب على الإعلام العربي الاضطلاع به في هذه المرحلة، فان أول ما يحمل هذا الاعلام على وعي هذا الدور لكي ينطلق من بعد في الاضطلاع به، هو ما يفترض ان هذا الإعلام يؤمن به من حق العرب المشروع في السيادة على الارض القومية، وخصوصاً حيث ما تزال هذه السيادة منتهكة او هي معرضة للانتهاك الذي يتمثل اليوم باسوأ الصور في ما نراه في فلسطين وفي العراق وفي سوريا وفي لبنان على الخصوص من استمرار لاغتصاب الارض من جانب العدو المستهتر بابسط القيم الحضارية وحقوق الإنسان، لا سيما في فلسطين تنفيذا من جانب العدو لمخطط استيطاني يستهدف طرد الشعب الفلسطيني من ارضه وابتلاع هذه الارض في قلب المشرق العربي من اجل الهيمنة الكلية على سائر اجزاء هذا المشرق وعلى العالم العربي باسره. وهو العدو الذي ثبت للقاصي والداني انه لا يقيم وزناً لعهد، ولا هو يؤمن ايما ايمان بحق غيره في الحياة، ويسخر من كل دعوة إلى السلام ما لم يكن هذا السلام سبيلاً إلى تحقيق مطامعه الجهنمية ولو اقتضى ذلك ابادة شعب بكامله يأبى الاستسلام. عدو كلما اوقد ناراً للحرب اطفأها الله ليوقد العدو نار حرب اخرى، يسعى في الارض فساداً والله لا يحب الفساد. قست منه القلوب "فهي كالحجارة او اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار، وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وان منها لما يهبط من خشيته الله، وما الله بغافل عما يعملون".

غير ان الامر ايها السيدات والسادة يتجاوز عندي في شأن ما يفترض ان يؤمن به الإعلام العربي ليضطلع بدوره في هذه المرحلة – يتجاوز الامر مجرد الايمان بالحق القومي والتزام الدفاع عن هذا الحق بمختلف الوسائل المتاحة، إلى حق الإنسان كانسان على هذه الارض، بالعيش الحرفي وطن حر، دون ان ينتقص من هذه الحرية غزو اجنبي مهما كانت ذرائع هذا الغزو، او طغيان محلي مهما كانت حوافز هذا الطغيان. وكلنا نعلم ان الانسان منذ وجد على هذه الارض، وجد معه ذاك التوق  الازلي السرمدي إلى التحرر، فاذا هو يسعى إلى التحرر من الخوف على الوانه ومن الجهل ومن القمع ومن العوز ومن المرض والى التحرر من خطر فقدان الاوطان، والى التحرر حتى من الزمان والمكان، وكل هذه ليست في الواقع إلا قيوداً إذا امعنا فيها النظر امكننا القول يابجاز ان حاصلها ليس إلا واحدا هو الاستبداد وتعطيل الحرية وانتفاء انسانية الإنسان، ولم يكن صراع الانسان عبر التاريخ إلا لانتزاع هذه الحرية والخلاص من نير الاستبداد إلى كرامة العيش الحر والاختيار الحر، وقد كانت للانسان في هذا الصراع محطات شاركت فيها امم كثيرة، حتى انتهى إلى ما يعرف بالاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اقرته الجمعية العمومية للامم المتحدة عام 1948 أي قبل اكثر من نصف قرن.

اجل ايها السيدات والسادة ان الإعلام العربي مدعو اليوم اكثر من أي يوم لان يعتبر نفسه في دفاعه عن حقنا القومي مسؤولاً لا عن حرية العرب فحسب، بل عن حرية الإنسان كأنسان في كل زمان ومكان، وما اعظمه من شرف، يحق لاعلامنا العربي ان يعتز به ان هو نهض بما يقتضيه نيل هذا الشرف حق النهوض.

لكن هل يتمكن الإعلام العربي من تأدية هذا الدور ان لم يكن هو ذاته اعلاماً حراً في امة حرة؟ افلا تكون حريات الامم عاراً علينا ان لم نكن نحن احراراً من امة حرة؟

انه لمن المؤسف حقاً ايها السيدات والسادة ان يكون معظم الإعلام العربي مجرد مرآة لما لا تزال تتخبط فيه الانظمة العربية من تشرذم، ولما لا تزال المجتمعات العربية ترسف فيه من قيود التخلف، بالاضافة إلى ما تفرضه  الانظمة والنصوص التشريعية على معظم الإعلام العربي من قيود على الحرية. ولذلك تقع على الإعلام العربي اليوم في رأيي تبعات تاريخية تفرض عليه العمل في اتجاهات اساسية ثلاثة:

اولها: تحرير نفسه من كل ما قد يعيق تاديته لدوره ولرسالته سواء في النصوص التشريعية او في الممارسة العملية أي النهوض قبل كل شيء إلى نقد الذات تمهيداً لتصحيح الذات وقديماً قيل "فاقد الشيء لا يعطيه". وههنا اذكر ان اتحاد الصحافيين العرب كان قد اتخذ قراراً منذ نحو سبع سنوات يقضي باعادة النظر في التشريعات التي ما تزال سارية المفعول في الدول العربية، وتصحيحها – ولا اقول تعديلها – تصحيحاً يتلاءم مع مقتضيات تكريس حرية الرأي والفكر والمعتقد، وحرية التعبير عن الرأي والفكر والمعتقد من غير أي قيد على هذه الحرية سوى ما يفرضه التزام الضمير المهني والضمير الوطني سواء بسواء. لكن منذ ذلك الحين حتى اليوم لم يتم مع الاسف أي تقدم نحو تحقيق ما هدف اليه هذا القرار, ذلك انه ان كان تحرير الارض العربية لا يمكن ان يكتمل إلا بتحرير الإنسان العربي من كل عوامل التخلف والخوف والقمع والتقوقع والتفرق والمنازعات الجانبية التي تصرف الجميع عن تركيز الجهد القومي على النضال المشترك من اجل بلوغ الهدف الواحد، فلا بد من اجل ذلك ايضاً ان يتاح للشعوب العربية حق الارتقاء إلى ممارسة الحرية دون أي عوائق ما دام صراعنا مع العدو هو في جوهره صراعا حضارياً في  المقام الاول.

وهل انا بحاجة ايها السيدات والسادة إلى القول اننا كنا في طليعة الامم التي رفعت لواء حرية الرأي والفكر والمعتقد وحرية التعبير عن الرأي والفكر والمعتقد في تاريخ البشرية واننا نستطيع ان نباهي الامم بمقدار غنى تراثنا في شأن حق الإنسان بالحرية؟ وهل في كل النصوص ابلغ واوجز من الدستور القرآني العظيم: "لا اكراه في الدين" ، وابلغ واوجز من تسليم الخالق للانسان بحريته حتى في الكفر بذاته جل وعلا تكريساً منه لحق الإنسان المطلق في الاختيار: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". واذا كانت معرفة الحق هي السبيل لتحرر الإنسان، - والاعلام هو الاداة العظمى لمعرفة الحقيقة وبلوغ الحق – أوليس السيد المسيح هو الذي نادى بذلك حين قال: "تعرفون الحق والحق يحرركم"؟ ثم هل في تراث البشرية اوقع من صرخة امير المؤمنين عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً"؟ واخيراً الم يكن لبنان في شخص ممثله في الامم المتحدة المرحوم الدكتور شارل مالك صاحب الفضل التاريخي المشهود في وضع الاعلان العالمي لحقوق الإنسان؟

ولو ان العرب يستوحون تراثهم المجيد في هذا الموضوع لما كانت هناك بالتأكيد، ومع الاسف الشديد، مشكلة تُـضطر معظم الشعوب العربية إلى مواجهتها في العصر الحديث، حتى تأتيهم النصائح البريئة وغير البريئة في هذه الايام بضرورة ضمان الحرية في اطار الدعوة إلى ما يدعى "الاصلاح".

ولا منّـة لاحد في التسليم بمكانة هذه القيمة الاساسية في حياة الإنسان، لان الحرية لم تكن يوماً خلعة خلعها السلطان على الناس، ولا منحة يمنحها حاكم لرعاياه، وهي حيث تمارس اليوم في العالم لم تكن صدفة من صدف التاريخ بل حصيلة صراع طويل وتضحيات كبرى قدم فيها الاحرار ارواحهم فداء على مذبحها وشهدت السجون آلام المناضلين الذين آمنوا بها حق الايمان ولم يضنوا عليها باغلى ايام العمر حتى غدت شأنا اصيلاً في حياة الاوطان لا يمكن اجتثاثه، واي حكم يراوده خاطر ارتكاب مثل هذه المحاولة يرتكب الخطأ المميت الذي يطيحه لا محالة في نهاية المطاف ويجعل منه عبرة لم يعتبر.

وانه لمن دواعي اعتزاز لبنان ايها السيدات والسادة، ان يكون هو من بين سائر الدول العربية – واقولها هنا تقريراً لواقع مشهود ومن غير مباهاة، ولا استعلاء- اسبق هذه الدول إلى ضمان اوسع هامش للحرية في الإعلام اللبناني، وفي الصحافة المكتوبة على وجه الخصوص، اذ تمكنا منذ عشر سنوات من تحقيق انجاز تاريخي بتحرير التشريع اللبناني من اهم ما كان يشتمل عليه من قيود تعطل الحرية او تسيء اليها. وقد تم ذلك بتعاون نموذجي صادق مع السلطتين التنفيذية والتشريعية وعبر حوار حر بناء تميز بروح المسؤولية الوطنية والمهنية كما تميز بروح الود الكامل والاحترام المتبادل. وبذلك باتت حرية الصحافة عندنا في لبنان هي الاساس وهي الاصل في حياتنا العامة. ويبقى القانون الذي ارتضيناه هو الحكم وله في كل نزاع القول الفصل. ويبقى عندنا فوق القانون، الضمير الوطني والمهني، وهو الدليل وهو المرشد ، وما هو بالهزل. وانه لواقع يؤكد مركزية الدور الاعلامي الذي يترتب على لبنان بوجه خاص ان يؤديه على الدوام وفي هذه الظروف المصيرية الحافلة باخطر التحديات على وجه الخصوص.

ولن يرتضي احد في هذا المجال ان تكون الحرية يوماً سبيل ايذاء الوطن او ايذاء الناس او التعدي على الحرمات العامة او الخاصة. اذ لم تفترق الحرية يوماً عن المسؤولية. فما هي بالفوضى وما هي بالاباحية. وحين سلم الخالق نفسه للانسان -  كما سبق ان اشرنا – بحريته حتى في الكفر بذاته جل وعلا، اردف ذلك على الفور بما يترتب على ممارسة الإنسان لهذا الحق من مسؤولية تلازمه فانذره بسوء العاقبة فقال سبحانه: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها".

وقد كان لنا وما يزال لنا من الرقابة الذاتية على انفسنا وعلى اقلامنا ما يجب ان يجنبنا الوقوع في الزلل باساءة استعمال الحرية. هذه الرقابة التي لم يقررها نص في التاريخ على ما اعتقد اوجز ايضاً وابلغ من قول القرآن العظيم: "بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذير".

وما لبّ الحرية والديموقراطية إلا القول السديد الذي يجب ان يكون جوهر دور الإعلام ورسالته، وبه وحده يتعزز الامل باصلاح الحال وصلاح الاعمال على نحو ما قرره ايضاً القرآن العظيم: "يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم"....

ولئن لم يكن في الإعلام العربي على وجه العموم اليوم ما يداني في ممارسة الحرية صحافتنا في لبنان، سوى ما نشهده في صحافة دولة عربية شقيقة اخرى هي دولة الكويت – فانني هنا ادعو بكل تواضع إلى التأمل – كما سبق ان دعونا اتحاد الصحافيين العرب يوم قرر اعادة النظر في قوانين الصحافة العربية – بل اقول انني ادعو إلى الافادة من تجربتنا اللبنانية في هذا المجال، مع علمي علم اليقين ان الاستنساخ في هذا الشأن غير وارد ولا هو عملي لان لكل بلد من بلداننا العربية العزيزة ظروفه الاجتماعية والتاريخية التي قد لا تتوافق مع ظروف البلد الاخر، ولكن حسبنا ان نحاول استلهام ما تنطوي عليه التجربة اللبنانية من توجه حقيقي صادق نحو احلال حرية الصحافة خاصة، وحرية الإعلام عامة مكانها اللائق بها في الحياة العربية العامة ونحو الاعتراف الفعلي بدورها العظيم في رقي امتنا الناهدة إلى استعادة مقامها الارفع بين امم العالم.

 

ايها السيدات والسادة

قلنا ان تبعات تاريخية تفرض على الإعلام العربي العمل في اتجاهات اساسية ثلاثة. وعرضنا في ما سبق الاتجاه الاول الذي يحتم على هذا الإعلام تصحيح الذات بضمان الحرية في التشريع والممارسة ليتمكن من الاضطلاع بدوره في مواجهة تحديات المرحلة، اما الاتجاه الثاني الذي تفرضه التبعات التاريخية على الإعلام العربي فهو انتهاج افضل السبل واتخاذ اسرع الخطوات التي تضمن حسن مخاطبة العالم بلغته هو سواء لجهة تزويده بالحقائق الداحضة لكل تمويه اسرائيلي او لجهة تقديم الموقف العربي مدعماً بالادلة والحجة والبرهان والمنطق المحكم القادر على تبديد اضاليل اعداء الأمة، لا بالاسلوب الخطابي الذي قد يرضي مشاعر العرب ولكن الزمن قد تجاوزه بكل تأكيد. فقد آن الاوان لان لا نكتفي بمخاطبة انفسنا بلغتنا القومية، ونعتبر ان اعلامنا يؤدي بذلك قسطه للعلى، بل لا بد من ان يسارع هذا الإعلام، الآن الآن وليس غداً، إلى الانطلاق من طابعه الاقليمي ليحاول ان يكون اعلاماً عالمياً بامتياز، ينافس الالة الاعلامية الصهيونية التي ما تزال تستأثر بالساحة الاعلامية في الغرب وفي الولايات المتحدة على الخصوص والتي تمعن في غسل دماغ الرأي العام العالمي ليحمل حكوماته على اتخاذ المواقف المنحازة لاعدائنا بينما نستمر نحن في مخاطبة انفسنا وكأننا لا نزال بحاجة إلى ان نبشر مؤمنين.

ولقد حدثني ايها السيدات والسادة، الصديق الاعز الدكتور هشام نشابه قبل بضعة ايام فقط، وكان قد عاد من رحلة استغرقت بضعة اسابيع في القسم الجنوبي من الولايات المتحدة، فأكد افتراق المواطن الأميركي العادي إلى حد بعيد عن مواقف الحكومة الأميركية، واستعداد هذا المواطن للاستماع إلى وجهة النظر العربية والاقـتناع بها إذا توفر لوجهة النظر هذه وسائل الإعلام والتثقيف بلغته هو وبمستوى الاقناع العلمي المنطقي المطلوب. كما عاد بانطباع راسخ هو ان المواطن الأميركي لا يعرف عن قضايانا إلا النزر اليسير، وغالباً ما يكون هذا النزر اليسير مشوها بفعل الإعلام المعادي تشويها لا يمكن ان يعود على مصلحتنا القومية إلا بالضرر البالغ.

ان من المحزن حقاً ايها السيدات والسادة ان لا يكون للاعلام العربي حتى اليوم أي اثر في عالم الغرب عموما وفي الولايات المتحدة خصوصاً. وكلنا يعلم ان العالم ما يزال يستقي الاخبار العامة اما من وكالات الانباء الأجنبية او مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية، وقليلاً ما نجد بينهم المراسل الموضوعي المنصف الذي يجرؤ على عرض وجهة النظر العربية على الاقل إلى جانب وجهة نظر الاعداء. فما الذي يحول حتى اليوم دون قيام العرب بانشاء وكالة انباء عالمية باللغتين الانكليزية والفرنسية على الاقل تحمل إلى العالم كل يوم الحقائق عما يجري في منطقتنا وتدحض كل يوم اكاذيب الاعداء المستمرة ضدنا، فتتصَحّح بذلك المفاهيم المغلوطة التي تبثها الالة الاعلامية الصهوينية ويكون من جراء ذلك تبصير الرأي العام العالمي بمدى ما تتعرض له بلادنا من اذى وعدوان؟ بل ما الذي يحول دون العرب وانشاء صحف يومية واسبوعية في عواصم العالم بلغات العالم تضاهي في مستواها ورقيها وقوتها الاعلامية اكبر صحف العالم؟ ولا اخال الكفاءات والطاقات والخبرات الاعلامية والمادية إلا متوفرة إلى حد بعيد إذا هم تبّينوا سواء السبيل واذا صحَّ منهم العزم.

وماذا نقول عن الإعلام العربي المرئي والمسموع؟

لقد انعقد في بيروت قبل ثلاثة اعوام ايها السيدات والسادة، مؤتمر لوزراء الإعلام العرب، وكان ان قاربوا موضوع دور الإعلام العربي المرئي والمسموع في مواجهة تحديات المرحلة، فقرروا انشاء قناة عربية فضائية باللغة الانكليزية، تحمل وجهة النظر العربية كل يوم إلى الشعوب الناطقة بهذه اللغة. وقرروا لتنفيذ هذه الخطوة مبلغاً من المال لم يتجاوز خمسة وعشرين مليون دولار أميركي. وهو مبلغ لا يمكن ان يفي بالغرض المطلوب. ومع ذلك وقع الخلاف على ما علمت حول مقر القناة الموعودة، وحول الهيئة التي تتولى ادارتها وتتولى الانفاق عليها، بل اكثر من ذلك، وقع الخلاف حول كيفية تقرير الخط السياسي للاخبار، وكيف يتقرر هذا الخط، ومن الذي يقرره، ومن الذي يتولى التنفيذ. وكان ان طوي المشروع بل وئد في المهد ولم يتح له ان يرى النور حتى اليوم.

ولئن لم يكن من اليسير، نظراً لاوضاع العالم العربي المعروفة ان لا يولد مثل هذا المشروع إلا ميتاً كما ولد، فما الذي يحول وعالمنا العربي يعج بالفضائيات،
 ما الذي يحول دون ان تخصص بعض هذه الفضائيات على الاقل جزءا من برامجها لاذاعة الاخبار والتحليلات باللغات الأجنبية، بل ان توجه جزءا من برامجها إلى الرأي العام الاسرائيلي نفسه، وباللغة العبرية نفسها لتبصير الاسرائيليين انفسهم وفي عقر دارهم بما تقترفه سلطات اسرائيل من جرائم لن يكون من شأنها بأية حال توفير الامن، فضلا عن السلام لدولتهم المصطنعة على ارض فلسطين المغتصبة. وتحية خاصة في هذا المجال لتلفزيون "المنار" في لبنان الذي كان له فضل السبق إلى هذه المبادرة.

 

ايها السيدات والسادة

قلنا ان تبعات تاريخية تفرض على الإعلام العربي العمل في اتجاهات اساسية ثلاثة. وعرضنا في ما سبق الاتجاهين الاول والثاني اللذين يحتمان على هذا الإعلام تصحيح الذات اولاً بضمان الحرية في التشريع وفي الممارسة ليتمكن من الاضطلاع بدوره في مواجهة تحديات المرحلة، ومخاطبة العالم ثانياً بلغته مما لا يزال حكراً على الالة الاعلامية الصهيونية والمعادية.

اما الاتجاه الثالث الذي تفرضه التبعات التاريخية على الإعلام العربي، فهو العمل الدؤوب الذي لا يكلّ لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي اتاح خلو الساحة الاعلامية العالمية للالة الاعلامية الصهيونية والمعادية نشرها في العالم تضليلاً للرأي العام العالمي وبلوغاً لتحقيق اهداف اعداء الأمة. وفي هذا المجال لا بد من ان يعمل الإعلام العربي على تصحيح نظرة العالم الحاضر إلى الاسلام، اثر الهجمة الشرسة التي تشن عليه تشويها لمبادئه السامية وما تمثله هذه المبادئ من رقي حضاري مكن العرب في فجر نهضتهم من ان يقدموه للبشرية ويسودوا به العالم، ذلك ان الاكثرية الساحقة من أبناء العالم العربي اليوم مسلمون، وتشويه صورة الاسلام في الذهن العالمي ينعكس سلبا بالضرورة على صورة العرب والعروبة. فما كان الاسلام يوماً إلا رسالة حرية وتسامح وحوار بين مختلف العقائد، وما كان يوماً إلا دعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي احسن، وما كان يوماً سبيلاً لازهاق الارواح البشرية البريئة من غير ذنب "فمن قتل نفساً بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعاً"، وما كان الاسلام يوماً إلا رافعاً للواء العدل والانصاف وتقوى الله في كل أمر، واحقاق الحق ايا كان صاحب هذا الحق. ولا يؤذن للمسلمين بالقتال إلا إن هم ظلموا وقوتلوا في عقيدتهم واخرجوا من ديارهم بغير حق. وكيف لا يكون من واجب الإعلام العربي آخر الامر ان يبدد اكذوبة تسمية المستعمرات الصهيونية في ارض فلسطين مستوطنات، ويبدد على الخصوص الاكذوبة الاخيرة الكبرى التي يخدع بها اعداؤنا العالم اذ يطلقون على مقاومة الاحتلال الاجنبي ومقاومة اغتصاب الارض وصف الارهاب، على الرغم من ان شرائع الارض فضلاً عن شرائع السماء كلها تكرس هذه المقاومة حقاً مشروعاً للشعوب لا يحق لاي قوة مهما بلغت من الطغيان والجبروت ان تنتهكه تحت أي ذريعة.

 

 

 

 

ايها السيدات والسادة

تعجبين من سقمي                          صحتي هي العجب

كذلك قال ابو نواس قبل اكثر من الف سنة.

وانما تدرك المقاصد بالاخذ بالاسباب.

ومن غير ان نأخذ بالاسباب التي تمكن الإعلام العربي من القيام بدوره على النحو الذي نطمح اليه، فلن تتبدل لهذا الإعلام حال، ولا يحق لنا الا ان نلوم انفسنا قبل ان نلوم سوانا. لان التاريخ ليس إلا حاصل صراع مستمر لا تُـكتَب فيه الغلبة إلا للاصدق ايماناً، وللاعلم ولصاحب العزم وللأشجع. وليس مستحيلا على الإعلام العربي ان يسهم في تغيير وجه التاريخ إذا ما توفر له ايمان الرجال وتوفرت له مع هذا الايمان عقول الرجال وهمم الرجال.

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"

صدق الله العظيم.