نشاطات النقابة
العودة
1994-11-11
محاضرة نقيب الصحافة اللبنانية محمد البعلبكي في مؤتمر "العالم العربي والثقافة بدعوة من المجمع الثقافي

بسم الله واياه نستعين

 

أيها الحفل الكريم

في عالم يزداد فيه الإعلام كل يوم قوة الى قوة حتى ليصح القول اننا نعيش عصر الإعلام كما نعيش عصر التكنولوجيا الحديثة،

وفي عالم تتنافس فيه الأمم على المشاركة مشاركة حية في اشادة صرح الثقافة الإنسانية، وينتشر الاقتناع العام لدى الناس أجمعين بأن أهم ما يبقى في الوجود الإنساني إنما هو حاصل الثقافات المختلفة وخلاصة تفاعلها على مدى الأجيال، وما عدا ذلك زبد يذهب جفاء ليصبح التاريخ الحقيقي، لا تاريخ الحروب ولا تاريخ الفتوحات ولا تاريخ الملوك والأمراء والحكام وسائر أبطال المعارك العسكرية أو دهاة السياسة السطحية العابرة، بل تاريخ العقل البشري وإنتاج العقل وفتوحاته في سائر فروع المعرفة منذ تفتح الفكر البشري على كل ما يدهش في الطبيعة ليمضي فيه اكتشافا وتحليلاً واستنتاجا ومن ثم اختراعاً يسخر بواسطته أنظمة الكون كما يسخر المادة لما فيه خيره ويناع ذاته، بعد أن اهتدى إلى ابتداع الحرف على هذا الشاطئ الذي شهد مرحلة من أعظم مراحل الحضارة في تطورها على يد عباقرة ندر أن ظهر مثلهم لدى سائر الأمم.

في عالم كهذا العالم تتبدى لنا المكانة التي هي للثقافة وللأعلام حين يجتمعان، كما تتبدى لنا أهمية العلاقة بين الثقافة والأعلام  في تحديد صورة حضارة المستقبل ومدى ما يمكن أن يبلغه الإنسان من تقدم أو تقهقر في ميزان القيمة الحقيقية للحياة في هذا الوجود.

وفي تأملنا لوجوه العلاقة بين الثقافة والاعلام نرى هذه العلاقة ذات اتجاهين ونرى بالتالي إطار الموضوع يتحدد من جهة، في أثر الثقافة في الإعلام بوجه عام، وأثر ثقافتنا العربية في إعلامنا العربي بوجه خاص، كما يتحدد من جهة ثانية في أثر الإعلام في الثقافة بوجه عام، وأثر اعلامنا العربي في ثقافتنا العربية بوجه خاص.

ونبدأ بالحديث عن أثر الثقافة في الإعلام بوجه عام. ونقصد بذلك طبيعة العدة الثقافية التي لا بد من ان يتزود بها الاعلام ان هو شاء او اريد له ان يرتفع إلى مستوى رسالته الحضارية التي يفترض فيه ان يؤديها. فكلما كانت هذه العدة الثقافية عدة غنية كان الإعلام اقوى وأفعل وأكثر أثراً في تكوين العقل العام وفتح آفاق التطور الإنساني أمامه وتمهيد سبل مشاركته بالتالي في بناء صرح الحضارة المتشامخ. ولقد مضى الزمن الذي كان يصح فيه أن يُـزاول الإعلام، بجميع صوره المرئية والمسموعة والمكتوبة على حد سواء، ببدائية ثقافية، او قل انطلاقاً من ثقافة ضحلة ليس لها اي صلة بعلم النفس الفردي ولا بعلم النفس الجماعي، وليس لها كذلك أي صلة، أو لها صلة ضعيفة كل الضعف بما بلغته الإنسانية في مختلف فروع المعارف العلمية أو الفلسفية أو الأدبية بأرقى درجاتها. فاعلام  كهذا هو بالأحرى عامل تقهقر بما هو عامل تجهيل، بدلاً من ان يكون عامل تقدم بما هو عامل تنوير. وهو ايضا  بالأحرى عامل بلبلة بما هو عامل ضياع بدلاً من أن يكون عامل  ريادة بما هو عامل قيادة.

وفي هذا المجال، مجال العدة الثقافية الضرورية للإعلام ، تظهر لنا أهمية اللغة في الإعلام، باعتبارها الوعاء الاكمل لحاصل التراكم الثقافي في أمة من الأمم عبر التاريخ، وباعتبارها الاداة التي لا غنى عنها بأي حال من الأحوال في عملية الإعلام ، في وسائل الإعلام المرئي والمسموع فضلاً عن الإعلام المكتوب . ولا مجال للمقارنة في مدى الفعل الاعلامي بين اعتماد لغة راقية تكتنز عصارة التجارب الحضارية للأمة بخاصة، ولسائر الأمم بعامة، وبين اعتماد لغة باهتة جوفاء لا تحمل من الثقافة القومية ولا من الثقافة الإنسانية شيئاً، حتى لكأنها مجرد ذبذبات صوتية ينعق بها ناعق.

فاذا انتقلنا بعد هذا إلى الحديث عن أثر  ثقافتنا العربية في اعلامنا العربي بوجه خاص، تحتم علينا القول أن هذا الاثر ذو حدين احدهما مفيد بل ضروري، والآخر مؤذ بل يكاد يكون وبالا على الناس. فأما الحد الأول فهو المتمثل في وجوب التزام الإعلام العربي بالوجه القومي لثقافتنا من غير أن يعني هذا الالتزام انغلاقا على الثقافات العالمية سواء كانت منفردة او متحدة في حاصل الثقافة الإنسانية ومجراها التاريخي الواحد. واما الحد الثاني فهو المتمثل في خطر ان ينتهي هذا الالتزام الضروري من جانب اعلامنا العربي إلى الانغلاق على ثقافتنا العربية السابقة اياً كانت درجة المجد التي بلغتها هذه الثقافة، وانطلاقاً من غرور قومي من شأنه ان يعطل كل اندفاع نحو ثقافة فضلى، واكتفاء بثقافتنا الراهنة المتخلفة عن ركب الثقافة العالمي المعاصر المتسارعة خطاه في مجالات التطور الفسيحة التي تزداد مساحاتها انبساطاً عاماً بعد عام.

اما اثر لغتنا العربية في اعلامنا العربي، باعتبارها جانباً من اهم جوانب العدة الثقافية لمزاولة عملية الاعلام، فيستمد اهميته مما سبق ان تحدثنا عنه من ان اللغة في العمل الاعلامي شأن اساسي باعتبارها اداته الاولى ووسيلته الرئيسية اذ لا اعلام من غير لغة، وعلى مستوى اللغة سواء كانت عربية أم اجنبية يتوقف إلى حد كبير مستوى الإعلام.

ولا بد من التمييز، في الكلام على لغة الإعلام، بين الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام الاخرى، المسموعة والمرئية (الاذاعة والتلفزيون)

ذلك ان شأن اللغة في الصحافة لا يتصل الا بالكتابة، أي بتحرير الاخبار والمقالات، اما في وسائل الإعلام  الاخرى المسموعة والمرئية فله إلى جانب الكتابة، جانب آخر هو جانب القراءة (او الالقاء).

وفي كل من الكتابة والقراءة تتميز اللغة بسلامتها او اخطائها، بفصاحتها او برطانتها، ببلاغتها او بركاكتها.

وتستفيد الصحافة من كون شأن اللغة فيها مقتصراً على الكتابة، فيجنبها هذا الواقع مسؤولية لا يستطيع ان يتجنبها الإعلام المسموع والاعلام المرئي اللذان تشكل القراءة فيهما (او الالقاء) عنصراً اساسياً لا غنى عنه.

واذا جاز التعميم – خصوصاً وان كلامنا لا يدور على الإعلام بعينه في قطر عربي واحد وانما هو يشمل الإعلام العربي كله – قلنا ان لغة الصحافة العربية بوجه الاجمال لغة فصيحة يندر فيها الخطأ اللغوي سواء من حيث قواعد النحو او من حيث تركيب العبارة.

بل انها لغة ترتفع في بعض المقالات إلى درجة البلاغة، بكل ما في البلاغة من تحسين وابداع. ولذلك فقد غدت الصحافة العربية مدرسة سيارة لنشر اللغة الفصحى السليمة على اوسع نطاق جماهيري ممكن. على ان ذلك لا يجعلنا نـغـفل عن الدعوة المستمرة إلى وجوب التنبه إلى مستوى اللغة العربية لدى طلاب معاهد الصحافة خاصة ومعاهد الإعلام عامة، في العالم العربي، وضرورة تعزيز هذا المستوى باستمرار حتى إذا انهى الطالب دراسته ليعمل في الصحافة او في الإعلام كانت له العدة اللغوية الكافية خصوصاً وان هذه العدة تبدو مع الاسف ضعيفة لدى الكثيرين من متخرجي معاهد الإعلام بحيث تصبح مهمة تدريبهم على العمل الصحافي او الاعلامي اصعب، ومدة هذا التدريب اطول.

ويختلف الامر كما قلنا في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، فما قد يختفي وراء الحرف المطبوع في الصحافة ينكشف على لسان المذيع او المتحدث في الاذاعة والتلفزيون. وقد تكون كتابة الاخبار الاذاعية والتلفزيونية صحيحة او فصيحة، ولكن القاءها يأتي حافلاً بالاخطاء اللغوية الفظيعة. وابرز ما تعانيه اللغة العربية في هذا المجال هو ما اتصل بمخارج الحروف من حيث التضخيم والترقيق، وما اتصل ايضا بلجوء المذيعين إلى اعتماد تسكين اواخر الكلمات باستمرار مما ينبئ عن جهل ويؤدي إلى تقطيع الجمل تقطيعاً يفسد المعنى او يؤذي بلاغة الاداء، حتى إذا اقلع المذيع عن التسكين وقع في اخطاء لغوية من مثل خفض المنصوب او نصب المرفوع او تأنيث  المذكر او تذكير المؤنث ومختلف الضمائر العائدة اليهما.

ولا بد هنا من التوقف عند طريقة لفظ الاسماء الاجنبية. فالتخبط والفوضى تعمان اعلامنا المرئي والمسموع في هذا المجال. وعلى الرغم من ان الاصل هو لفظ هذه الاسماء كما هي في لغتنا الاصلية، فان التحريف غالباً ما يصيبها ويبتعد بها عن الاصل ابتعاداً مذهلاً مضلّلاً للسامع ايما تضليل، فضلا عما ينبئ به من ضآلة ثقافة المؤسسة الاعلامية وثقافة العاملين فيها سواء كانوا مذيعين او مراقبين او مديرين عامين.

ويبقى ان اعتماد مراجع اللغة الفصحى من جانب المسؤولين عن التحرير في الصحافة وفي الاذاعة وفي التلفزيون شرط اساسي لضمان صحة الكتابة، وخصوصاً في ما يتعلق بمعاني الالفاظ ومعاني الحروف ومواقع استعمالها، تجنباً للوقوع في بعض الاخطاء اللغوية بسبب ما يتميز به العمل الاعلامي من سرعة، وتجنباً ايضاً لترويج تعابير او الفاظ جديدة تحمل مفاهيم كثيرا ما تكون بعيدة عن مفهومها اللغوي الصحيح.

هذا عن اثر الثقافة في الإعلام بوجه عام واثر  الثقافة العربية في اعلامنا العربي بوجه خاص، فاذا انتقلنا إلى الاتجاه الاخر للعلاقة بين الثقافة والاعلام، أي إلى اثر الإعلام في الثقافة بوجه عام، واثر اعلامنا العربي في ثقافتنا العربية بوجه خاص، رأينا ان من نافل القول ان نقرر ان الاعلام هو الوسيلة العظمى لنشر الثقافة من جهة، ولتطويرها ولتفاعلها ضمن بوتقة الثقافة الإنسانية من جهة ثانية. وطبيعي ان الثقافة تكتسب في البيت اولا، ثم في المدرسة والكلية والجامعة، ثم عبر مطالعة مختلف الكتب، كما هي تتطور في دور البحث العلمي ومؤسسات المعارف الاختبارية والاجتهاد التكنولوجي، ولكن كل ذلك يبقى اضيق من ان يعم الاكثرية الساحقة من الناس من غير وسائل الاعلام التي يقرأها ويسمعها ويشاهدها الجمهور الارحب لتكوّن من جراء ذلك التيار الثقافي الشعبي الذي يرتقي بالإنسان، كل انسان، محاولاً ان يحقق فيه كل الإنسان. وعلى مدى انفتاح الإعلام على مختلف الثقافات وانطلاقه في ذلك من مبدأ الحرية الفكرية واحترام العقل البشري يتوقف مدى مشاركة هذا الإعلام في عملية تكوين الثقافة الوطنية كما يتوقف مدى مشاركته في عملية التفاعل الثقافي الانساني الاوسع وبناء صرح الحضارة الارفع.

وانطلاقاً من هذا الفهم لاثر الاعلام في الثقافة بوجه عام، يتحتم النظر إلى اثر اعلامنا العربي في ثقافتنا العربية بوجه خاص.

ولا بد من استهلال القول في هذا الشأن بأنه لا ثقافة من غير وطن. فلا بد اذن من ان يكون اعلامنا متحصناً بالولاء القومي ومجنداً لتوطيد هذا الولاء في الشعب وتعميق معناه وتوسيع مداه. ولا ننسى هنا الدور الكبير الذي يترتب على اعلامنا العربي ان يلعبه في ابراز الجوانب المشرقة من تراثنا الثقافي العظيم، وما لهذه المهمة من صلة وثيقة بنشر الوعي القومي وترسيخ الولاء القومي بالتالي. لكن بمقدار ما يكون هذا الاعلام متوقفاً عند حدود ثقافتنا السالفة مع كل ما تزخر به من اسبقيات تاريخية وامجاد هي لنا مبعث اعتزاز، يكون اعلامنا عائقاً لنا عن الخروج من حال المراوحة في وحول التخلف الثقافي الذي لا نزال نعاني من تخبطنا فيه حتى اليوم رغم نجاحنا في مكافحة الامية وفي تعليم الناشئة. وبمقدار ما يكون اعلامنا العربي مواكباً لتطور الثقافات  العالمية العصرية المدهش في سرعته وعمقه، يكون هذا الإعلام مضطلعاً بما يفترض ان يضطلع به من رسالة تاريخية في عملية النهوض العربي العام.

ومن هنا ان وسائل اعلامنا العربي، سواء منها المرئية او المسموعة او المكتوبة، مدعوة إلى الخروج مما لا يزال طاغياً عليها من ايلاء الشأن السياسي او السطحي او العابر الاهتمام الاول، لتولي شؤون الثقافة باوسع معانيها المقام الاول من العناية، وتخصص لهذه  الشؤون القسم الاكبر من صفحاتها او برامجها وتحشد لهذه الغاية اكبر رجال الاختصاص في مختلف وجوه الثقافة والعلم لا من عالم العرب فحسب، بل من جميع انحاء العالم المتقدم ان امكن ذلك.

أيها السيدات والسادة

لعل من وجوه عبقرية لغتنا العربية الفذة ان كلمة الإعلام تجد جذرها في مادة العلم. فانما الإعلام هو احاطة الناس بالعلم والمعرفة لاخراجهم من الظلمات إلى النور. وفي ذلك ما فيه من تقرير للعلاقة الجدلية التاريخية بين الثقافة والاعلام من جميع الوجوه.

"وما يستوى الاعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور."

و "هل يستوى الذي يعلمون والذين لا يعلمون؟"

صدق الله العظيم

والسلام عليكم ورحمة الله .

                                                                   محمد البعلبكي

 نقيب الصحافة اللبنانية